إيزيس حافيةً على أرض السلام

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كنا نسيرُ على رمال شاطئ خليج نعمة بشرم الشيخ، ذراعُها فى ذراعى، شعرُها الأسودُ الفاحم يتماوج مع نسيم البحر، وعيناها السوداوان النجلاوان تنظران نحو الأفق المترامى أمامنا. ملامحُها تحملُ وجهَ مصرَ، وقلبُها مسكونٌ بهمومٍ وأحلام. همومُ ملكةٍ تبحث فى راهن بلادها عن مجدٍ قديم صنعه الأجدادُ وأهدره الأحفادُ، وأحلامٌ لا تقبل المساومة بأن ذلك المجدَ لابد عائدٌ مهما كان الجهدُ ومهما كان التعب.

كانت تسيرُ على الرمال الساخنة حافيةَ القدمين، كأنما لتُنصتَ بمسامّ قدميها إلى وجيب الرمال التى توشوشُ بحكايا القرون الطوال وتحكى لها عن الملوك والفلاحين الذين وطئوا تلك الأرض المباركة منذ آلاف السنين، فتعرفُ الملكةُ يوميات أجدادها من ذاكرة الرمل التى لا تكذب ولا تخون، وليس من سطور كتب التاريخ التى كتبها المؤرخون وفق هواهم. غادرنا حقلَ الرمال ودخلنا إلى صفحة الأسفلت اللاهبِ بهجير الشمس، وظلّت الملكة حافيةً رافضةً أن تنتعلَ حذاءها، فقلتُ لها: «البسى خُفّيك يا ربّةَ الجمال فالأرضُ كالجمر!». أشاحت بوجهها عنى وسارت جوارى صامتةً حافية القدمين حتى أجنّ المساءُ سماءَ المدينة وأثلج الليلُ الأرضَ برذاذ الصقيع؛ فأعدتُ على مسمعها رجائى بأن تنتعل نعليها لتحمى قدميها من البرد. نظرت إلى عمق عينىَّ وقالت: «سأسيرُ على أرض هذه المدينة حافيةً، ولا خوفٌ علىَّ يا حبيبتى، فلا تجزعى. إنها البقعةُ المباركة التى سار عليها موسى كليمُ الله عليه السلام مع زوجته وأغنامه حتى قال لهم: «امكثوا إنى آنستُ نارًا لعلّى آتيكم منها بقبسٍ أو أجدُ على النار هُدى». إنها البقعةُ المباركة التى خاطبَ اللهُ فيها نبيه مناديًا: «إنى أنا ربُّك فاخلعْ نعليكَ إنك بالوادى المقدس طُوى»، فكيف أضعُ نعلىَّ وكيف أخافُ حرًّا أو بردًا فى بقعة الله المقدسة التى اصطفاها ربُّ العزة ليكلّم من فوقها رسولَه؟!

إنها الملكة إيزيس، فى ثوبها الأخضر بلون حقول مصر، ومِئزر خِصرها البرتقالى بلون زهر الربيع المصرى، ووشاحها الفيروزىّ بلون صفحة البحر الأحمر، وخصلات شعرها السوداء بلون أرض طِيبةَ الطيبة. إنها العظيمة «سهير المرشدى» التى لا يبرح هامتَها تاجُ إيزيس بعدما تقلّدته فوق خشبة المسرح فى تلك القطعة الفنية الآسرة «إيزيس» مع زوجها الراحل العظيم «كرم مطاوع».

أنظرُ فى عينيها وأسمعها تهتفُ: «سأذهبُ وحدى، شكرًا يا سادة، سأجاهد وحدى، فى حقول البردى ومغاور بلدى، سأبحث وحدى، شكرًا يا سادة». عمَّ كانت تبحثُ إيزيس؟ ليس عن رُفات زوجها المغدور أوزوريس، وحسب، بل عن مجد بلادها المغدور. سهير المرشدى، التى لا أناديها إلا بـ«إيزيس»، لم تكتفِ بدورها الفنىّ الرفيع كفنانة راقية مثقفة، بل كان لها دورٌ سياسى واجتماعى مشهود، سنواتِ عمرها المشحون بالعمل المحترم فوق خشبة المسرح، وأمام كاميرات السينما والتليفزيون، منذ أدائها مسرحية «الأميرة العمياء» على خشبة مسرح المدرسة وهى بعد صبيّةٌ صغيرة، وحتى الأمس القريب والغد المقبل بإذن الله. يقول لها الحكيمُ: «السِّحرُ ليس فى المزامير، بل فى الإيمان. معجزتُك يا إيزيس فى قلبِك. أصغى إلى قلبِك هو الذى يدلُّكِ إن كان زوجُكِ فى أمان أم فى كرب». وتُصغى إيزيس إلى قلبِها وتقول: «بلادى سوف تخرج من الكرب، وتدخل باحة الرغد القريب بإذن الله». شكرًا لأرض السلام، شرم الشيخ الساحرة، التى جمعتنى بساحرة القلوب إيزيس، سهير المرشدى التى عرفتُ فيها قلبَ طفلة أبدًا أبدًا، لا يكبُر.

Twitter: @FatimaNaoot

------------------------
الخبر : إيزيس حافيةً على أرض السلام .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق