«نصبُ الفاعل» كأزمة قومية

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

ليس فى العنوان مبالغة أو رغبة فى جذب انتباه القارئ. دعنى أشرح القضية كما أراها.

اللغة، أى لغة، هى نظام مُعقد للاتصال وتبادل المعلومات. كيف يعمل هذا النظام؟ أى لغة فى العالم تضُم ثلاثة أركان رئيسة: الركن الأول هو الصوتيات، من الصوتيات يتم تركيب الكلمات (الرُكن الثانى). هذه الأخيرة ليست سوى رموز اخترعها البشر للتعبير عن الأشياء. أما الرُكن الثالث فينصرف إلى القواعد أو النحو. لغةُ البشر تختلف عن «اللغات» التى تستخدمها كائنات حية أخرى من حيث قدرتها على التعبير عن معانٍ مُجردة. الشمبانزى له لغة لا تتعدى بضع عشرات من الكلمات. العُلماء رصدوا استخدام الشمبانزى لأصوات تحذيرية للتعبير عن خطر مثل: «هناك أسدٌ قادم». إلا أن الإنسان هو الكائن الوحيد القادر على استخدام اللغة بصورة إبداعية للتعبير عن علاقات ومعانٍ مُركبة مثل: «هذا الشخص الشرير جاء إلى النبع بالأمس». هذه القدرة على استخدام اللغة بصورة مُركبة ترتبط بالرُكن الثالث فى أية منظومة لغوية؛ أى القواعد. لماذا؟

الكلمات فى أية لُغة محدودة بالطبيعة. الشخص العادى يعرف 30 ألف كلمة فى المتوسط. غير أن القواعد تُمكِّننا من استخدام الكلمات بصورة لانهائية. اللغة، مثلها مثل الموسيقى، منظومة يُمكن استخدامها بصورة لا نهائية لتوليد عدد غير محدود من العبارات والجُمل. عبقرية هذه المنظومة أنك متى أتقنت قواعدها، يكون بمقدورك تركيب أى جملة، وفهم أى جملة يقوم الآخرون بتركيبها.

ما فائدة القواعد؟ تأمل الجُملة التالية: «قُتل زيدٌ صباح اليوم». علامة الضمة على القاف فى أول فعل «قتل» تُشير إلى أن زيداً هو الذى تعرض للقتل فيما يُسمى بالفعل المبنى للمجهول. بدون هذه العلامة نفهم أن زيداً هو الذى قَتَلَ اليوم امرأة، اسمها صباح. القواعد، فى واقع الأمر، هى الركن الذى يمنح منظومة اللغة مزاياها العبقرية وقدرتها اللامحدودة على التعبير بصورة دقيقة عن المعانى المجردة والمُركبة. لذلك، فإن بداية الحضارة تتطابق مع ظهور اللغة.

تحتوى اللُغات البشرية كذلك على جانب غامض وساحر. ربما يكون هذا هو المعنى الذى رمى إليه الرسول (ص) بقوله «إن من البيانِ لسحراً». هذا الجانب الغامض للغة، الذى يوظف آليات التصوير والتشبيه والاستعارة للتأثير فى نفس السامع، هو الدعامة الكُبرى للحضارة الإنسانية. إنجيل يوحنا يبدأ بعبارة: «فى البدء كانت الكلمة..»، والقرآن الكريم بفعل: «اقرأ». الكلامُ، أوبالأحرى الطريقة التى يُصاغ بها الكلام، له أثرٌ حاسم فى مسيرة الحضارة الإنسانية وتطور الأفكار. الحضارة- فى التحليل الأخير- ليست سوى كلماتٍ فوق كلمات!

بطبيعة الحال، هناك درجاتُ مختلفة من إجادة اللغة. فى أغلب الحضارات القديمة كان إتقان القراءة والكتابة جزءا رئيسيا من هيكل السُلطة القائم فى المجتمعات. يصدق ذلك مثلاً على حضارتى مصر القديمة والصين اللتين حكمهما لآلاف السنين طبقةٌ من الموظفين الذين يجيدون القراءة والكتابة. فى العصور الوسطى ارتبط سُلطان الكنيسة الكاسلويكية باللغة اللاتينية. مع ظهور اللهجات الأوروبية وتطورها إلى لُغات مستقلة، مثل الإيطالية والإسبانية والفرنسية، أصبحت اللاتينية بعيدة عن المواطن العادى. صارت حكراً يكاد يكون حصرياً على رجال الدين فى الكنائس والأديرة. وعليه، صار لهؤلاء سُلطة مطلقة فى تفسير النص الدينى وإقامة الشعائر. الإصلاح الدينى فى أوروبا ارتبط بترجمة الإنجيل من اللاتينية إلى اللهجات المحلية (مارتن لوثر ترجم الإنجيل إلى الألمانية)،

نُعانى اليوم فى مصر من معضلة مشابهة. نحن نتحدث، فى واقع الأمر، لغتين. العامية لُغة لها قواعدها وجمالياتها الخاصة وطريقتها فى التعبير. على الجانب الآخر، نجد أن اللغة الفصحى تواجه اضمحلالاً بدأ منذ أكثر من نصف قرن، ولكنه تسارع بأكثر مما يتصور أحد فى العقود الأخيرة. جوهر معضلتنا أن العربية الفصحى هى لغة القرآن. لغة الدين، الذى يُمثل المحل الأسمى للقيم لدى الإنسان المصرى. هى أيضاً لغة الحضارة العربية، التى ننتمى إليها ثقافياً. انقطاع صلتنا بالعربية الفُصحى يعنى أن نصير معلقين فى الهواء. ألا نعرِف عن ماضينا سوى قشور القشور. أن ننفصل معرفياً عن الكتاب المقروء، والجريدة ونشرة الأخبار. الأخطر أن هذه القطيعة مع الفُصحى تُؤدى تلقائياً إلى احتكار التفسير الدينى من جانب القلة، فيما الكثرة الغالبة تكتفى بحفظ وترديد نصوص لا تفقه منها شيئاً تقريباً بغرض أداء العبادات. طبيعى أن يقع هؤلاء أسرى لتفسيرات القِلة من العالمين أو مدعى العلم.

هذه المُعضلة قديمة فى مصر. نجيب محفوظ تحدث عن صعوبات واجهته فى كتابة حوار يدور على مقهى. كيف يكون الحوار واقعياً بينما يجرى بلغة لا يتحدثها الناس فى الشارع؟. على أن هذه الأزمة تجاوزت مؤخراً كل حد. المُشكلة لم تعد فقط فى انفصال الناس عن الخطاب السياسى والدينى بسبب ضعف إتقانهم للغة. لقد صار أهل السياسة والصفوة المثقفة عاجزين عن التحدث بلغتهم الأُم، كما رأينا فى جلسة البرلمان الأولى. العجزُ ليس مقصوراً على غياب الفصاحة والبيان (الجانب المؤثر من اللغة). بل وصل العجز إلى حد الفشل فى توظيف اللغة كوسيلة فعّالة ومنضبطة للاتصال وتوصيل الأفكار المُركبة (الرُكن الرئيس فى اللغة). لا يُمكن أن نصفَ وضعاً كهذا سوى بالهزيمة الحضارية الشاملة. كيف يكون هناك معنى لأى حوار إذا لم يكن الكلام «مضبوطاً» و«منضبطاً»؟

«نصبُ الفاعل» فى آية قرآنية بسيطة فى جلسة البرلمان الأولى هو مجرد عنوان لأزمة أعمق. تداول الأفكار وتحقيق الاتصال الناجح بين الناس- والأجيال- يُصبح مستحيلاً إذا فقدت منظومة اللغة أهم أركانها؛ القواعد. إنها أزمةٌ قومية يتعين أن تتداعى القوى الحية فى الوطن لمُجابهتها. مُلخص الأزمة أن نظامنا التعليمى لا يُخرج مواطناً يتحدث العربية ويفهمها فهماً سليماً. حصيلتها هى هذه «الحالة الأعجمية» التى ضربت مصر من القمة إلى أخمص القدم.

gamalx@yahoo.com

------------------------
الخبر : «نصبُ الفاعل» كأزمة قومية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق