عاجل

كلمة أخيرة في المسألة الحقوقية

0 تعليق 14 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

لم أعتد فكرة الكتابة بالرد على مقالات آخرين تخص مقالات كتبتها، ليس ترفعا عن ذلك، أو استهتارا بآراء الآخرين؛ وإنما سعيا لترك القارئ يزن بنفسه الحجج المختلفة لكى يقبل أو يختلف. هذه المرة فإن مقالتين من الأستاذ بهى الدين حسن «ردا على د. عبد المنعم سعيد» لا بد وأن يؤخذا بالجدية التى يستحقانها لأن الكاتب والموضوع لهما من الأهمية التى يصعب تجاهلها. الرد له جانبان: شخصى يشكك فى دورى فى وضع بذرة مركز القاهرة لحقوق الإنسان قبل إنشاء مجلس الأمناء؛ والآخر موضوعى يتعلق بقضية حقوق الإنسان فى مصر. الأمر الشخصى سوف أتركه جانبا لأن المساحة لا تسمح، ولأن شهود هذه المرحلة فى معظمهم أحياء يرزقون أعطاهم الله الصحة والعافية؛ ولدى يقين أن قصتهم سوف تكون مختلفة حول ما جرى قبل وبعد تشكيل مجلس الأمناء عن تلك التى قال بها الأستاذ بهى الذى كان مدهشا فى صمته خلال هذه المرحلة التحضيرية. ومن المؤكد أننا سوف نفتقد جميعا صديقى وأخى د. محمد السيد سعيد رحمه الله الذى جمعنا حوله فى هذه الفكرة النبيلة التى اختمرت فى حوارات ومناقشات طويلة.

التجربة على أية حال كانت مفيدة، وربما كان من خلالها جرى اكتشاف أن موضوع حقوق الإنسان على أهميته البالغة لابد من وضعه فى إطار تاريخى طويل قام على إخفاق جرى منذ بداية الدولة المصرية الحديثة سواء فيما تعلق بالتحديث، أو التحول الديمقراطى، أو التنمية الشاملة للمجتمع المصرى. مثل ذلك كان يحتاج إطارات أوسع للحركة الفكرية، والسياسية أحيانا، وجدتها بالفعل سواء من خلال مركز الأهرام للدراسات السياسية والإستراتيجية، أو مؤسسة الأهرام ككل من خلال الكتابات الفكرية المختلفة، أو حتى من خلال لجنة السياسات فى الحزب الوطنى التى أيضا لا يزال معظم أعضائها أحياء يرزقون، ولها مضابط ووثائق، لكى تشهد بما قيل حول حقوق الإنسان وقانون الطوارئ والتحول الديمقراطى والتنمية المستدامة. باختصار لم يكن هناك بعد أحادى يفسر الحالة السياسية المصرية، ولا أبعادها الاجتماعية والاقتصادية، ولكنها حالة شاملة من الإخفاق الذى لا يمكن مواجهته بالجلوس «إلى جانب الملوك والرؤساء فى منظمات دولية»، ولا بالتمترس خلف بعد واحد لا نكون نحن المصريين مصدر المعرفة فيه (والذى بالمناسبة كان السبب الرئيسى وراء إنشاء مركز القاهرة لحقوق الإنسان كمركز للبحث والدراسة) وإنما منظمة العفو الدولية أو هيومان رايتس واتش، وكلاهما له الاحترام الملائم الذى يعطى بقدر المعرفة الحقيقية بالموضوع المصرى، أو فى الحقيقة بأى موضوع آخر.

من هنا جاء مربط الفرس فى الخلاف بينى وبين الأستاذ بهى الدين حسن، فهو يأخد على ما كتبت تعبير «المبالغة فى قضية حقوق الإنسان». و«المبالغة» منذ البداية لا تنفى أهمية الموضوع، ولكنها تنتقد «المبالغة» فيه والتى تأخذ أشكالا متعددة. أولها أنها تربط بين غياب احترام حقوق الإنسان وظاهرة الإرهاب وترى علاقة سببية بينهما، بل إنها تقطع بأنها تؤدى إلى تمدده واستمراره (وبالمناسبة فإن الإرهاب تراجع فى مصر طوال العام الماضى، وخلال الفترة القصيرة الماضية فقدت داعش ٤٠٪ من أراضيها). هنا فإن وجود الإرهاب فى دول لا يشك فى ديمقراطيتها واحترامها لحقوق الإنسان يصبح غير مفهوم. وما لا يفهم أكثر، مع اقتراب التماثل بين التجربة المصرية والتونسية، أن الإرهاب لم يطل تونس فقط، بل وأدى إلى فرض حالة الطوارئ، وإنما جعل تونس هى الدولة الأولى فى إنتاج الإرهابيين المدعمين لدولة الخلافة الإسلامية، والتى لا هى دولة، ولا خلافة، ولا إسلامية. لقد بلغ عدد «المجاهدين» التونسيين مع داعش ٥٥٠٠ (مصر بالمقارنة قدمت ٣٢٨)، وبفارق كبير عن كل من تلاها من الدول التى كان منها الملكى والجمهورى، والديمقراطى والاستبدادى، والرأسمالى والاشتراكى. فما هى ياترى «الأسباب الجذرية Root Causes» التى أطلقت العنان لإرهابيين فى العالم انطلاقا من بيئات اقتصادية واجتماعية وسياسية مختلفة؟ الحقيقة الواضحة التى خرج بها «مؤشر الإرهاب العالمى Global Terrorism Index» هى أن البحث التجريبى على ١٦٢ دولة خلال الفترة من عام ٢٠٠٠ إلى ٢٠١٣ أثبت بوضوح أنه لا توجد علاقة بين هذه البيئات المختلفة والظاهرة الإرهابية، وإنما فى الشرق الأوسط خاصة نجد علاقة ارتباطية بين التفكير الدينى (الفاشية الدينية) والإرهاب. وبالمثل فإن استطلاعات «جالوب» و«زغبى» فى البلدان الإسلامية تؤكدان نفس النتيجة.

وثانيها أن «المبالغة» تعنى الحاجة إلى بعض من الحذر والتواضع فى التعامل مع الأرقام، والروايات المختلفة خاصة تلك المتعلقة ببلادنا. وعندما تأتى الروايات والأرقام من «هيومان رايتس واتش» عن أحداث رابعة، وتأتى روايات وأرقام أخرى من تقرير القاضى والأستاذ الدكتور الجليل فؤاد عبدالمنعم رياض والمجلس القومى لحقوق الإنسان، فإن المقارنة تكون واجبة، والفحص يكون حازما لكل التقارير لأن ذلك كان فيما أعتقد هو مهمة مركز القاهرة لحقوق الإنسان. أما أن تجرى هذه التبعية المطلقة للأرقام والروايات الأمريكية فهو لا يحدث إلا لمن تأتيهم «الخضة» فى التعامل مع المؤسسات الدولية، والأمريكية خاصة، التى تبنت، وأحيانا بطريقة عمياء نظرية «الأسباب الجذرية» الذى يعنى التعامل معها على طريقة الباحثين والخبراء الأمريكيين تفكيك الدولة المطالبة فى نفس الوقت بأن تكون فى الحلف المناهض للإرهاب. التفكير والجهد المستقل إذن هو المطلوب، وهو لا يعنى أبدا نفى وجود مخالفات مخجلة لحقوق الإنسان، بعضها يتعلق بأصحاب رأى، والآخر بصحفيين، والثالث باختفاء قسرى غير معروفة أسبابه، والرابع بحوادث للتعذيب وحتى للقتل. ما يعنيه هو أن توضع الأمور كلها فى حجمها الصحيح، بما فيه حجم التضحيات الهائلة التى أودت بحياة المئات من ضباط وجنود القوات المسلحة غير المدنيين من المصريين وما ترتب على استشهادهم من أوضاع لعائلاتهم. التفكير والجهد المستقل مطلوب ليس بغض البصر عن هذه أو تلك، أو ادعاء توازن أو معادلة مفتعلة ولا تجوز، وإنما المعالجة القانونية والسياسية الحكيمة من خلال منظمات ومؤسسات مصرية تضع كل الأطراف فى عيونها. وبالطبع فإن «الإصلاح» دائما مطلوب، وسواء كان هناك إرهاب أو لم يكن، ولكن هناك فارقا كبيرا بين «الإصلاح الصديق Friendly Reform» الذى يبنى، و«الإصلاح المعادى Hostile Reform» الذى يهدم.

وثالثها أن المبالغة تعنى وزن الكلمات عند التعامل مع الدولة الوطنية المصرية، فتشبيه الأوضاع الحالية فى مصر بالحالة النازية، وحالة الأستاذ بهى ورفاقه من الحقوقيين بالجماعات التى قاومت النازية والفاشية فى أوروبا والماكرثية فى أمريكا، لا يطابق مقتضى الحال، ولا ما يجرى فى الواقع خاصة عندما يكون الدفاع عن حقوق الإنسان مهنة، وليس عملية سياسية تجرى أساسا وسط الجماهير المصرية. التواضع فى مثل هذه الأمور مطلوب ليس فقط لأنه فضيلة فى كل الأوقات؛ وإنما أيضا لأنه سوف يجعلنا أكثر موضوعية فى الحكم والتقدير والقياس. فهناك بالتأكيد كثير الكثير الذى يستحق التغيير والإصلاح فى مصر، وهناك من المعضلات ما هو أكثر يستحق الحل؛ ولكن ثبت بالتجربة أن الثورات الكثيرة، والمظاهرات الأكثر، والتشهير الواسع النطاق، لا تنتهى بأوضاع سعيدة وربما فاقمت أوضاعا تعيسة. وثبت أيضا أن الجلوس بجوار الملوك والرؤساء وإصدار التقارير الأنيقة، ربما يساعد فى فهم قضية، ولكنه لا يحل ألغازها، ولا يفك تعقيداتها، وبالتأكيد لا يولد السياسات التى تنهى انتهاكات حقوق الإنسان. والأمر فى الأول والآخر سوف يحل على الأرض المصرية، وما جرى خلال السنوات الماضية بحلوه ومره، ربما ولد درجة أعلى من النضج لدى كل أطراف العملية السياسية فى البلاد، وهو بالتأكيد لا يجعل مصر سويسرا الشرق الأوسط، وإنما يعطيها الفرصة فى ألا تذهب مرة أخرى فى اتجاه إخفاق آخر. جماعة حقوق الإنسان فى بلدنا مدعوة لكى تكون جزءا من عملية النضج هذه، لا أن تكون طرفا فى عملية هدم نعرف نتائجها من بلاد كثيرة حولنا.

------------------------
الخبر : كلمة أخيرة في المسألة الحقوقية .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق