الأندلس المقلوب «2»

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

فى نهاية الأسبوع الثانى من موجة الغضب الراهنة فى المناطق الفلسطينية المحتلة، وصفت «نيويورك تايمز» (13 أكتوبر) الغاضبين بأنهم «شباب بلا قيادة»، «تشعل حماسهم وسائط التواصل الاجتماعى (السوشيال ميديا)». ولأن إسرائيل هى الدولة الأورويلية (الدولة التى رسم ملامحها جورج أورويل فى روايته 1984) بامتياز، فليس من المستبعد أن تكون أجهزتها الاستخباراتية تسعى للسيطرة على هذه الموجة بهدف الوصول بالعنف إلى درجة يستخدمها بائع السيارات الشاطر (حسب مهنته الأصلية) بنيامين نتنياهو لتقسيم البلدة القديمة فى القدس.

أنا متفائل بقدرة الفلسطينيين والإسرائيليين على أن يصلوا، سويا، لصيغة تنهى عذابات الشعبين وتؤسس للسلام. لكن ذلك لا يمنع من التساؤل. ماذا لو نجحت أجهزة الدولة الأورويلية فى إسرائيل فى توجيه حركة الشباب الفلسطينى إلى الوجهة التى يريدها نتنياهو؟ سوف يكون انتصارا جديدا لقصر النظر. خطوة أخرى باتجاه تعزيز سلطة الأجهزة التى تعيش بالرعب والمؤامرات. قد تقول لى إن إسرائيل دولة ديمقراطية، دولة قانون. لكن كيف تكون كذلك ونصف سكانها (النصف العربى) حقوقهم السياسية منقوصة، وجميع سكانها (من عرب ويهود) يعيشون حياتهم على حافة الموت؟

أكثر من ذلك، دعنى أقل لك إن فى تاريخ إسرائيل ما يمكن اعتباره انقلابين عسكريين اثنين، وقع أولهما، عندما تمرد جنرالات إسرائيل على رغبة رئيس حكومتهم ليفى إشكول فى عقد قمة مع الرئيس عبدالناصر لإنهاء أزمة مضايق تيران فى 1967 وفرضوا عليه شن العدوان. أما الثانى فكان خوض الجنرالات حربهم ضد حزب الله فى 2006 بتنسيق مع البنتاجون، ومن وراء ظهر حكومة إيهود أولمرت.

وفى منطقة الشبهات أيضا أحداث أخرى مهمة، مثلما حدث عندما كشفت صحيفة هاآرتس (اليسارية!!)عن ثلاثين دولاراً نسيها إسحق رابين فى أحد البنوك الأمريكية، ما يعد خرقا للقانون الذى كان يحظر فتح حسابات فى البنوك الأجنبية. وهكذا أزيح رابين، بعد الاتفاق المؤقت بخصوص سيناء فى سبتمبر 1975، وبعد إعلانه أن صراع الشرق الأوسط لا حل له إلا بالوسائل السلمية. كانت الخطوة التالية هى كامب ديفيد كمقدمة لاتفاقية السلام، ولهذا خرج رابين- رجل السلام- ليقود متعصبا ضيق الأفق، مثل مناحيم بيجين مسارات التفاوض مع المصريين. وعندما عاد رابين إلى الواجهة ودشنته جائزة نوبل هو وشيمون بيريز وياسر عرفات ثالوثاً للسلام، جرى اغتياله.

القوى الغامضة فى إسرائيل تحبط كل جهود السلام، منذ أخرج بن جوريون الدولة العبرية عن حيادها فى الحرب الباردة فى 1949، ثم عندما أعلن فى 1952 أن إسرائيل كلها قاعدة للعالم الحر. ولهذا فقد يكون ما وصفه آلان جريش بأنه «شبه انقلاب»، عندما تمرد الجنرالات على إشكول، هو فى الحقيقة أخطر انقلاب فى تاريخ الشرق الأوسط، منذ حركة الضباط الأحرار فى يوليو 1952.

كل هذه التوجهات المعادية للسلام ولمصالح الشعبين الإسرائيلى والفلسطينى فى إسرائيل نفسها، وفى المناطق الفلسطينية، تحركها قوة أكبر من مجرد رغبة بن جوريون فى 1949 فى أن تكون إسرائيل، وليس مصر، الطرف الذى يعتمده النظام الدولى فى المنطقة. هذه القوة هى القوة الرجعية التى تجد أصداءها حتى فى تصورات شيمون بيريز لسلام المنطقة، وفى الصيغة البلهاء التى طرحها: العبقرية اليهودية تقود، والثروة الخليجية تمول، واليد العاملة المصرية والمغربية تعمل.

هذا هو الأندلس المقلوب. بيريز كان يحلم بقيادة يهودية تبنى الشرق الأوسط بأموال العرب وبقوة الشغيلة منهم!! أى أن اليهود يريدون استعادة الطمأنينة التى نعموا بها فى الأندلس القديم المفقود، بالعيش وسط العرب، ولكن بقلب الصورة لتصبح لهم قيادة الأندلس الجديد. لقد خرج اليهود من الأندلس عندما نجح الكاثوليك فى طرد المسلمين العرب والبربر منه. وظل اليهود، لزمن طويل، يحملون مفاتيح بيوتهم الأندلسية وهم يتنقلون بين المنافى، كما يفعل الفلسطينيون اليوم. وقد تجد فى فرمان أصدره سليم الأول فى 1517، يحظر فيه على اليهود بناء مساكن فى سيناء، محاولة أولى لإنشاء تجمع يهودى بيننا. ولكن قد يكون تحذير «ابن تيمية» من احتمال ظهور موقف شيعى مناصر لدولة يهودية فى العراق، إشارة أقدم للطموحات الصهيونية السياسية.

لكن المؤكد أن رغبة اليهود فى جمع شتاتهم فى دولة فى المشرق لم يأخذ الطابع العدوانى العنصرى إلا بعد أن وُلدت الصهيونية السياسية بمؤسساتها المعروفة بعد مؤتمر فينا فى1897. بل حتى بعد ذلك، فقد ظلت احتمالات التعايش السلمى مع العرب هى الأقوى حتى غرقت إسرائيل (بتعبير محمد حسنين هيكل) فى نتائج انتصارها فى حربها الغادرة على العرب فى 1967. وإذا كانت هذه الحرب فقرة فى مسلسل وضع إسرائيل فى خدمة الإمبريالية الأمريكية، فإلى أين تريد الدولة العبرية أن تتوجه اليوم، وأمريكا تستعد لمغادرة الشرق الأوسط؟ الجواب تحدده قدرة الشباب الفلسطينى على ربط الحلول التى يريدها لمشكلاته بقوى السلام فى إسرائيل، وليس بعيدا عنها.

------------------------
الخبر : الأندلس المقلوب «2» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق