العودة إلى.. إحسان عبدالقدوس

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

يبدو أن هناك حنينًا إلى زمان وأجواء إحسان عبدالقدوس، ففى العام الماضى أقدمت الدار المصرية اللبنانية على طباعة عدد من رواياته، وكانت المفاجأة أن بعض طبعات هذه الروايات نفدت خلال شهور، وأعيدت طباعتها مرة ثانية، خاصة روايته «أنا حرة» التى لى معها موقعة طويلة.

فى سنوات التسعينيات أصدرت مكتبة الأسرة طبعة خاصة من «أنا حرة»، ولا أعرف لماذا اشتريتها، ورحت أقرأها، رغم أنى قرأتها من قبل وفى مكتبتى نسخة قديمة منها، وهالنى ما قرأت، كانت الرواية «مزيَّفة»، إذ تم التدخل فى نصوصها بالتزوير، لتصبح رواية معادية لما أراد المؤلف أن يقوله، وكانت تلك بداية حملة صحفية قمت بها على صفحات «المصور» حول تزييف أعمال إحسان تحديداً، وصبغها بطابع سلفى متشدد، فكرياً وسلوكياً، كانت المفاجأة صاعقة للحركة النقدية والأدبية، إذ لم يعرف أن ناشرًا أقدم على تزوير أعمال أدبية، من قبل، عرفنا الناشر الذى يرفض نشر أعمال بعينها، وهذا حقه، حتى لو كان محافظًا ومتشددًا فى اختياره، لكن لم نعرف الاعتداء على نصوص الكاتب ذاتها بالتشويه، كانت المفاجأة قاسية حتى بالنسبة لأسرة إحسان، وتحمس نجلاه المهندس أحمد وزميلنا محمد (عمنا) لاتخاذ الإجراءات القانونية ضد الناشر وضد عملية التزوير، وبأحكام قضائية، نهائية وباتة، تمكنا من استنقاذ أعمال إحسان الروائية، وقتها صمت اتحاد الناشرين المصريين عن جريمة عضو بالاتحاد فى حق الكاتب.

وكانت الحملة فرصة كذلك للحد من الترهل الذى أصاب تنفيذ مشروع مكتبة الأسرة؛ وتلك قصة أخرى مطولة.

وفى السنوات الأخيرة من حكم مبارك، ظهرت أسماء روائيين جدد، حققت أعمالهم نجاحًا لدى القراء، حتى وإن لم تنَل رضا بعض النقاد، وتصور البعض فى الساحة الثقافية والنقدية، أن أسماء الروائيين القدامى «راحت عليهم»، أما إحسان فكان له نصيب آخر، إذ تصور كثيرون أن انحسار مصر بين تيار ثورى أو يحاول أن يكون ثوريًّا وتيار الإسلام السياسى، لا يسمح لأعمال إحسان الروائية، بأى تواجد، وليس الرواج، حتى تم نشر عدد من أعماله مع معرض القاهرة الدولى للكتاب، فى يناير 2015، وها نحن بعد عام، نجد أن تلك الأعمال تجد لهفة من القراء، وتلك مفاجأة جيدة فى عالم النشر، خاصة بالنسبة لأعمال أديب نشرت معظم أعماله قبل نصف قرن، على الأقل.

أعمال إحسان الروائية، فى معظمها، تنحاز إلى التحرر الاجتماعى، تحرر فى إطار المحافظة، يعرف قراء إحسان أنه فى بعض المواقف، إذا حدث لقاء بين البطل والبطلة، كان يفضل أن يضع كثيرًا من النقاط، بلا كلمات، ويترك للقارئ أن يتخيل ويتوقع ما يمكن أن يحدث، لكنه عمومًا فى أعماله يعطى للفتاة وللمرأة الحق فى اختيار حياتها دون إملاء أو قهر، وتحمل رواياته قدرًا من التفاؤل الاجتماعى والإنسانى، إذ إنها تنحاز إلى انتصار التحرر، وتراجع القيود الاجتماعية، وهى كذلك تحمل قدراً من التسامح الأخلاقى والاجتماعى مع لحظات الضعف الإنسانى والخطأ البشرى، الذى يمكن أن يمر به أى إنسان، رجلًا كان أو امرأة، فى موقف ما أو مرحلة عمرية معينة.

وربما لهذا تعرض إحسان شخصيًّا وتعرضت أعماله لهجوم حاد من بعض المتشددين والمتطرفين، لنتذكر أن الشيخ عبدالحميد كشك -رحمه الله - استهدف إحسان بحملات هجوم ضارية فى خطبة الجمعة بمسجد «عين الحياة»، سنوات السبعينيات، وكان الشيخ كشك من المنخرطين فى جماعة الإخوان.

ويعرف المتابعون أن تلك الحملات شملت آخرين من المبدعين، مثل أم كلثوم وعبدالحليم حافظ ونزار قبانى وطه حسين ونجيب محفوظ، وكانت تلك الحملات بداية موجة تحريم الفنون ومعاداة الآداب، وانتهت باعتزال عدد من الفنانين والفنانات واغتيال فرج فودة ومحاولة اغتيال نجيب محفوظ، وكان ذلك سبباً قوياً من أسباب تراجع القوة الناعمة لمصر، داخل المجتمع المصرى ذاته وفى عالمنا العربى كذلك.

ولعل ما أنقذ إحسان من مصير نجيب محفوظ، وتوقف حملاتهم عليه فى سنواته الأخيرة، هو مصاهرته للشيخ محمد الغزالى، فكفّ ذلك التيار عنه شخصيًّا، لكنهم لاحقوا أعماله بالتزوير والتدليس، وظل ذلك لسنوات، حتى أتيح لى - بالمصادفة - أن أكتشف ذلك.

العودة إلى روايات إحسان مجددًا، يعنى أن قطاعًا من المجتمع لم يعُد يطيق التشدد ولا الأفكار المتطرفة، كما أنه لا يحتمل أو لا يريد بعض الإنتاج الروائى، الذى ذهب بعيدًا جدًّا فى مجال التحرر، وبناء عليه فإن هناك رغبة فى العودة إلى الاعتدال والتوسط، باختصار التحرر على طريقة إحسان عبدالقدوس.

انتشار أعمال إحسان تعنى أيضًا أن هناك استشعارًا لأزمة أبناء وبنات الطبقة الوسطى، خاصة الشريحة العليا منها، ولعل ذلك ما دفع معظم النقاد، خاصة فى الخمسينيات والستينيات إلى تجاهل أعمال إحسان أو مهاجمته، وثمة دراسات فى السنوات الأخيرة عن تآكل الطبقة الوسطى وانهيارها؛ والعودة إلى تلك الأعمال تعنى أن هذه الشريحة، وهى بالمناسبة التى قادت ثورتى 25 يناير و30 يونيو، تميل إلى التماسك والتعبير عن ذاتها وأفكارها بقوة وبجمال أيضًا.

رحم الله إحسان عبدالقدوس، الذى نحتفل هذه الأيام بذكرى رحيله، فقدناه فى 11 يناير 1990.

------------------------
الخبر : العودة إلى.. إحسان عبدالقدوس .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق