لماذا لا تنزف الجراح؟

0 تعليق 29 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

للصباحات المتشابهة مذاق واحد. مذاق طبق الفول البارد الخالى من البهجة. وملامح وجه زوجها الذى يستيقظ متعكر المزاج. فى البدء تعودت ألّا تكلمه حتى يفيق. بعدها صارت تؤخر الكلام، ثم لم تعد تتكلم مطلقا. فقط ينقضى اليوم فترقد بجواره لمجرد العادة، وسرعان ما يستغرق فى النوم، تاركا إياها لأحلام اليقظة.

فى هذه الأحلام تشاهد نفسها، بالضبط كما كانت فى الأيام الخالية، وجهها بدون تجعيدة واحدة. تتجاهل تماما أنها تزوجت. وهناك دائما فارسها الأوحد، تعطيه اسما ما. المهم ألا يقارب اسم زوجها. رجل لا يقذف النساء، لا يهملهن ويعاملهن كشىء زائد! ويقيم وزنا للأشياء الصغيرة التى تصنع الحياة!

وفى كل ليلة، حين تحملها غيمة الأحلام الوردية، كانت تنزلق فى سهولة إلى عالم النوم.

■ ■ ■

هذا المساء تشاجر معها. لزمت الصمت كما اعتادت أن تلزمه. فى البدء كانت تتشاجر ثم يختنق الكلام فى حلقها فتبكى. وفى البدء أيضا لم يكن يتمادى. كان سرعان ما يعتذر ويحتضنها. ثم حدث شىء ما لا تذكره جعله لا يحتضنها، أو ربما لم يحدث أى شىء، إنه فحسب الفراغ المميت.

■ ■ ■

هذه الليلة كان يصرخ بصوت عالٍ، ويستشهد بأحداث من الماضى ليدلل أنها.. أنها ماذا؟ فى الحق هى لم تكن تعلم لماذا هو غاضب! تفقد تركيزها حينما يعلو صوته. سيّان أن يكون السبب طعاما سيئا أو ثياب متسخة أو فردة جورب ضائع أو مصاريف زائدة، أو شىء ما فعلته وأغضبه. حينما تذهب الجاذبية بين الرجل والمرأة فلا شىء يمكن أن يعوّضها. عندما يضيع الشىء الذى من أجله يتزوج الرجال النساء، فإن التفاصيل غير مهمة، المهم الروح.

الروح ميتة منذ أن اتسع الفالق الذى كان يفصل بينهما، حتى أصبح عبور تلك الهوة مستحيلا، لا هى بقادرة أن تعود نفسها القديمة، ولا هى تملك الجسارة لتتركه. إلى أين تذهب؟ وكيف تنفق؟ وأين تقيم؟

التمرد يحتاج إلى جسارة، والجسارة لا تملكها. لم يكن أمامها خيار غير الصمت وإدمان أحلام اليقظة فى نهاية كل يوم.

■ ■ ■

وفجأة جفلت حين قذفها بشىء ما، أغلب الظن أنه قارورة. أو أى شىء وجده فى متناول يده. رفعت ذراعها بالغريزة لتحمى وجهها. ردود الأفعال الانعكاسية لا سلطان لها عليها. راحت تتأمل الجرح فى صمت ودون فزع، على أن ما أدهشها أن الجرح لم تنزف منه قطرة واحدة من الدماء.

أنفثأ غضبه وبدا مرتبكا، غير أنه لم يعلن الندم. غادر الغرفة فى صمت، وبقيت هى تتأمل الجرح فى غرابة. عجيب حقا أن تتمزق الأنسجة دون قطرة دماء. همّت أن تقوم لتضمده ثم عدلت عن ذلك. لقد حانت ساعة اليقظة. عالم الأحلام الوردى الذى لم يخذلها ولا لمرة واحدة. انزلقت رأسها على الوسادة، لكنها هذه المرة لم تنزلق إلى عالم الأحلام.

■ ■ ■

تحاول أن تحلم. تحاول أن تسترجع وجهها كما كمان دون تجعيدة واحدة. تحاول أن تخلق فى خيالها فارسا لبقا، رجلا جنتلمان.

لكنها هذه المرة تخفق. تخفق أن تتذكر شكلها، أو تصنعه فى خيالها، أو حتى تمنحه اسما.

■ ■ ■

تثلجت أطرافها وهى توشك أن تتوصل إلى حل اللغز الذى حيّرها: لماذا لم ينزف جرحها؟

من هم الذين لا تنزف جراحهم؟ من هؤلاء الذين يعجزون حتى عن الخيال؟

إنهم الموتى دون غيرهم! الآن تدرك أنها ميتة!

aymanguindy@yahoo.com

------------------------
الخبر : لماذا لا تنزف الجراح؟ .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق