مصر والصين .. شركاء على الدرب

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ


* السفير محمود علام
---------------------------
تستقبل مصر الرئيس الصيني شي جين بينج في أول زيارة يقوم بها في إطار جولة في دول الشرق الأوسط تشمل السعودية ومصر وإيران.
وتحظى زيارة الرئيس الصيني لمصر بأهمية خاصة تجعلنا نرى أنها تمثل المحطة الرئيسية خلال هذه الجولة، كما تأتي في مرحلة من العلاقات تتطلب من الجانب المصري رؤية واضحة وعملية لتعظيم الاستفادة من الشراكة مع دول تعد أكبر قوة اقتصادية في العالم وصاحبة أبرز تجربة تنموية في العالم الثالث والدولة التي يمثل صعودها كقوة عظمى ظاهرة لم تحدث منذ تبوء الولايات المتحدة هذا المكان على الساحة الدولية.
ويمكن إيجاز مغزى وأهمية هذه الزيارة في المحاور التالية:
أولاً: تمثل الزيارة ثالث لقاء بين الرئيسين منذ إعلان البلدين الارتقاء بمستوى العلاقة بينهما من مجرد علاقة التعاون الاستراتيجي الذي أعلن في عام 1999 إلى علاقة الشراكة الاستراتيجية الشاملة في إعلان ديسمبر 2014، وهو ما يعني أن المحادثات التي ستجرى بين الرئيسين السيسي وشي سواء على مستوى العلاقات الثنائية أو حول القضايا الاقليمية والدولية يجب أن تعكس مستوى هذه الشراكة.
ثانياً: ستشهد الزيارة بدء فعاليات الاحتفال بالعام الستين لإنشاء العلاقات الدبلوماسية بين البلدين.. ويتذكر الصينيون دائماً أن مصر كانت أول دولة عربية وأفريقية تعترف بجمهورية الصين الشعبية التي أنشئت في أكتوبر 1949 وهو ما فتح الباب لحصول الصين على الدعم من دول هذا الجزء الهام من العالم الثالث ويتمثل اهتمام مصر بهذه المناسبة في الاحتفال الذي سيقام بحضور الرئيسين في بهو معبدالأقصر لما له من دلالة تاريخية لعمق هذه العلاقة بين البلدين اللذين يمثلان أعرق الحضارات الإنسانية علماً بأن الاحتفال بمرور خمسين عاماً على إنشاء العلاقات عام 2006 حيث أقيم حفل مماثل على سفح الهرم في سابقة اختصت بها مصر الصين.
ثالثاً: من المتوقع أن تتناول المحادثات بين الرئيسين المصري والصيني القضايا الإقليمية والدولية المهمة وعلى رأسها الأوضاع في الشرق الأوسط والتطورات التي تشهدها المنطقة مثل التوتر في العلاقات بين السعودية وإيران واللتين ستكونان ضمن جولة الرئيس وربما الدور الايراني في أعقاب بدء تنفيذ الاتفاق النووي، هذا بالإضافة للموقف في سوريا واليمن وليبيا بالإضافة للأوضاع في الأراضي الفلسطينية المحتلة وقضايا انتشار الأسلحة النووية في ضوء التجربة النووية الأخيرة لكوريا الشمالية، ويأتي كل ذلك في إطار وجود مساحة مشتركة من الاتفاق في الرأي بين الجانبين حول أهمية هذه القضايا والتشاور الدائم بين الدولتين بصفتهم أعضاء في مجلس الأمن التابع للأمم المتحدة.
رابعاً: ستشهد هذه الزيارة توقيع العديد من مذكرات التفاهم والاتفاقيات والعقود المبرمة بين وزارات وهيئات مصرية وهيئات وشركات صينية بعضها يتعلق بمشروعات استراتيجية لدعم البنية الأساسية وخاصة في مجالات الطاقة والنقل والإسكان للعاصمة الجديدة والتعاون التكنولوجي، وكذلك فيما يتعلق بتطوير منطقة شمال غرب السويس في إطار تنمية محور قناة السويس وتضم المنطقة أول منطقة صناعية صينية ينتظر الاتفاق على التوسع في مساحتها وتطويرها لجذب مزيد من الاستثمارات الصينية.
خامساً: سيتم خلال الزيارة إبرام اتفاق للربط بين المبادرة الصينية لإحياء طريق الحرير البحري والمعروفة بـ«الطريق: والحزام» وبين محور تنمية منطقة قناة السويس التي شهدت تطورا تاريخيا بافتتاح القناة الجديدة في أغسطس الماضي وإنشاء الهيئة الاقتصادية الخاصة بتطوير محور قناة السويس حيث يمثل الموقع الاستراتيجي لهذه المنطقة حافزا للصناعات الصينية لاستكمال القاعدة التي بدأتها في المنطقة للوصول لأسواقها في الشرق الأوسط وأوروبا وأفريقيا.
سادساً: سيتم خلال الزيارة انطلاق فعاليات العام الثقافي الصيني في مصر والذي سيقابله فعاليات لعام مصر الثقافي في الصين وهو تقليد تتبعه الصين مع الدول التي تربطها بها علاقات متميزة والهدف منه تدعيم التفاهم وزيادة المعرفة بين ثقافات وشعوب هذه الدول والشعب الصيني.
أخيراً: يتطلب تحقيق الفائدة من الشراكة الاستراتيجية القائمة بين مصر والصين وانعكاس ذلك في النتائج التي ستسفر عنها زيارة الرئيس الصيني لمصر وجود رؤية واضحة وأدوات فعالة وترجمة مفهوم هذه الشراكة في جميع مجالات التعاون بين الجانبين وخاصة في مجالي التعاون الاقتصادي والثقافي بصورة تضمن الارتقاء بمستوى العلاقات على المستوى العملي وليس الشكلي وتحقيق قيمة مضافة للجانبين وخاصة للجانب المصري الذي يسعى للإسراع في تعويض ما فاته من وقف في بناء مشروع مصر الجديدة ويتطلب ذلك رؤية وتوجيه ودعم من القيادة السياسية على محورين هامين:
أولاً: تعظيم الاستفادة من جميع مشروعات التعاون التي ستبرم اتفاقيات بشأنها وخاصة تلك التي سيتم تنفيذها من خلال التمويل الحكومي الصيني بقروض ميسرة بحيث تتضمن تفعيل قدرات التصنيع المحلي لبعض التجهيزات الخاصة بالمشروع بما يضمن بناء وتطوير القدرات المصرية في التصنيع وهو ما يشمل ضمان نقل التكنولوجيا والمعرفة والتدريب، وكذلك زيادة مشاركة حصة الشركات المصرية في أعمال المقاولات الخاصة بهذه المشروعات بما يضمن تطوير أدائها واكتساب خبرات جديدة وأخيراً محاولة بناء شراكة تمتد لتشمل نقل الخبرات في تشغيل وإدارة المشروعات وخاصة غير المتوافرة منها مع الحرص على تفعيل تشغيل المشروعات الجديدة بصورة تدر دخلا يساهم في قيام المشروع بالمساهمة في سداد القرض الخاص به بدلاً من تحميل ميزانية الدولة – المنهكة حالياً – أو الأجيال القادمة بهذا العبء.
ثانياً: التأكد من أن التخطيط للتفاعل الثقافي مع الصين لا يقتصر على مجرد إقامة فعاليات وتبادل فرق ومعارض فنية فقط بل أن يأخذ في الاعتبار وبجدية أننا نتعامل مع ثقافة وحضارة عميقة ومتواصلة التاريخ أثرت وتؤثر في صناعة النهضة الصينية الحديثة بل وتقديمها لدورها في تطور مجتمعات آسيوية أخرى وخاصة ما يعرف «بالثقافة الكنفوشية» وهو ما يتطلب رؤية وجهود غير تقليدية تضمن الاقتراب من هذه الثقافة ومعرفة مفرداتها من خلال خبراء جادين لمعرفة كيفية استخدام الثقافة كصناعة وأداء لتعبئة الجماهير لبناء المجتمع وهويته، بصورة تحقيق معادلة الاصالة والمعاصرة، إنشاء محفل للحوار الحضاري الجاد يمكن أن تقوده مصر والصين من خلال مفكري وعلماء البلدين ليمتد لحوار موسع بين ثقافات مجتمعات الشرق (ومعظمها دول آسيوية) بحكم أن هذه المجتمعات كانت في الماضي مهد الحضارة والديانات والفلسفات القديمة التي ساهمت في بناء طريق البشرية قبل صعود وسيطرة الغرب على الساحة ووصولاً لصيغ تضمن صياغة عصر العولمة الذي نعيشه الآن بصورة تحقق التوازن الفكري والحضاري الذي يضمن وصول الإنسانية والمجتمع الدولي لصيغة نرى أنها لم تتحقق حتى الآن.
ما تقدم محاولة للفهم وإلقاء الضوء على الدرب لمستقبل العلاقات بين مصر والصين ... فهل من مستجيب!
ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
*سفير مصر السابق في الصين
ومستشار التعاون الدولي
allammahmud@hotmail.com

------------------------
الخبر : مصر والصين .. شركاء على الدرب .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق