الصلح التاريخى

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

■ تقاتل البروتستانت والكاثوليك فى أوروبا قرابة 40 عاماً كاملةً وقتل فى هذه الحروب المذهبية بينهم قرابة 40% من سكان أوروبا.. كل ذلك قبل أن تدخل أوروبا مرحلة الحرب العالمية الأولى والثانية والتى أدت إلى مقتل وجرح 60 مليوناً من الأوروبيين.. ففكرت أوروبا فى طريقة عملية للخروج من دوامة الحروب المذهبية والعرقية وغيرها.. ففطنت إلى «نظرية الحقيبة السوداء» وأن تضع أوروبا فى هذه الحقيبة كل الميراث الأسود والدموى للحروب المذهبية والعرقية ثم تدفنها فى الأرض.. ثم تلعن وتطرد وتقصى كل من يريد إحياء أو بعث ميراث هذه الحقيبة السوداء من جديد.

■ وهذه النظرية اقتبستها أوروبا من الإسلام الذى نصت أحاديثه الشريفة على أن «الفتنة نائمة لعن الله من أيقظها»، فالإسلام درأ كل عصبيات الجاهلية بين العرب فجمع بلال الحبشى مع صهيب الرومى وأبوبكر وعمر القرشى مع سلمان الفارسى مع عبدالله بن سلام اليهودى وصهرهم فى بوتقة واحدة.

■ وبعد دفن الحقيبة السوداء للصراعات العرقية والمذهبية صعد خطاب التعايش بديلاً عن «خطاب المفاصلة» الذى تتميز به الصراعات الدينية والمذهبية والعرقية، اتحاد أوروبى واحد سياسياً واقتصادياً وعسكرياً، يورو واحد، منع الازدواج الضريبى والجمركى، قطار يجوب أوروبا بغير فيزا وهكذا..

■ وخطاب التعايش أقوى واقعياً وعملياً من خطاب المفاصلة، فالأخير يعزل ويفصل بين الناس ويضع بينهم عشرات الحواجز ولكن خطاب التعايش يقرب ويوحد ويجمعهم.

■ والخروج من «أفكار التمايز والمفاصلة» إلى أفكار النفع العام المشترك أولى بالجميع فى الوطن العربى، وليكن شعار الجميع «فلنعمل جميعاً لنفع الناس بلا استثناء» مقتدين ومتأسين بقوله تعالى «وَأَمَّا مَا يَنفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِى الأَرْضِ» فمن أراد البقاء والمكث فى الأرض فى حياته وبقاء سيرته بعد موته فلينفع الناس ويخدمهم ويرحمهم ويرفق بهم دون كثير طنطنة بالأيديولوجيات والمذهبيات، أو رغبة فى التمايز أو التعالى أو دعوة للمفاصلة.

■ وهذا الأمر سيخرج الجميع سنة وشيعة وغيرهم من ضيق المذهبية والأيديولوجية إلى رحابة الإنسانية، فالتعصب المذهبى والأيديولوجى يعد آفاقاً مغلقة لا تسع إلا أصحابها وقد تضيق عليهم أحياناً.

■ أما الإنسانية فهى آفاق مفتوحة رحبة تسع البشر جميعاً وترحمهم وتسعدهم وتجمعهم، والدخول إلى آفاق الإنسانية الرحبة يجعل أصحاب المذاهب والديانات والأيديولوجيات يرحمون ويخدمون ويؤمّنون بعضهم بعضاً.

■ أما التعصب المذهبى أو الأيديولوجى فيجعل الإنسان لا يخدم ولا يرحم ولا ينصف ولا يؤمّن إلا أرباب مذهبه وأيديولوجيته.

■ ونظرية الحقيبة السوداء تصلح للتطبيق فى الصراع السنى الشيعى، حيث إن السنة والشيعة العرب يجمعهم الكثير والكثير، منه الإيمان بالله الواحد الأحد والإيمان بالرسول، صلى الله عليه وسلم والجنة والنار والملائكة والنبيين.

■ وما كان من خلاف سياسى بين على ومعاوية «رضى الله عنهما» فلم يحضره أحد من أجيال السنة والشيعة، ولم يشارك فيه أحد منا، وطهر الله قلوبهم وأيديهم وألسنتهم من تبعاته، فلماذا يريد البعض توريث هذه الأجيال صراعات لم يشهدوها، ويريد البعض أن يسب الصحابة أو يسىء إلى بعضهم أو يتهجم على بعض زوجات النبى زوراً وبهتاناً وبغير حق، لقد رحمنا الله من ذلك.. فلماذا نقحم أنفسنا فيه.

■ والغريب أن بعض الشيعة يريدون دون وعى تحميل أجيال السنة كلها إثم إقصاء على بن أبى طالب وأولاده من الخلافة، مع أن أهل السنة يرون أن سيدنا على كان الأجدر والأحق بها.

■ والسنة والشيعة لهم أرض محتلة واحدة تحتاج للتحرير وهى القدس الشريف والمسجد الأقصى.. ولكن بعضهم يريد تحرير دمشق من إخوانهم السوريين الآخرين.. أو تحرير صنعاء أو عدن من إخوانهم اليمنيين الآخرين فى صراع سياسى بغيض يتمسح بالدين زورا وبهتاناً.. فضلاً عن أن إيران لها ازدواجية غريبة فهى تتعامل مع الغرب وأمريكا بوجه الدولة العاقل الحكيم المنضبط، وتتعامل مع العرب بوجه الثورة والإمبراطورية الذى يعتبر أى شيعى فى أى بلد تابعا لها، ويحق لها بناء ميليشيات شيعية فى أى بلد آخر قد تتحول إلى دولة داخل الدولة أو فوقها.. ولو تعاملت مع الجميع بوجه الدولة الحكيم لما كانت هناك مشكلة فالشيعى فى أى دولة ليس تابعاً لإيران ولكنه من رعايا دولته.

■ إن السنة والشيعة فى العالم الإسلامى ينتظرون صلحاً تاريخياً شاملاً بين السعودية وإيران ومصر وتركيا والخليج والعراق، بحيث تدفن هذه المصالحة الحقيبة السوداء الماضية وتعلى من خطاب التعايش والتعاون لا خطاب المفاصلة والتمايز والإمبراطورية.

------------------------
الخبر : الصلح التاريخى .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق