أعداء الحوار.. عن الذين يقتلون باسم الله

0 تعليق 2 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

رغم الإيجابية التى ينطوى عليها مصطلح «التسامح» فإن الناقد الإيطالى أمبرتو إيكو له فيه رأى سلبى لافت حيث يقول: «هو مصطلح مبهم، وهو بإيجاز، مصطلح لا متسامح، حيث إنه يفترض بالفعل، وفقا لرافضيه، بأنه يمكن لنا الاعتقاد بأن شخصا ما غير مقبول بشكل أساسى، أو أنه أدنى منا مرتبة، ولذا فمن الأفضل تحاشيه، بيد أننا نتسامح معه من باب الأدب، أو إيثارا لمبدأ السلامة». لكن إيكو يمقت العنصرية البدائية أو «اللاتسامح الحيوانى» الذى يُعزى إلى أسباب بيولوجية، ويراه الأخطر بين ألوان التعصب قاطبة. إذ يمكن مواجهة «العنصرية العلمية» بإبداء الحجج العقلية المقنعة.

وينطلق الدبلوماسى الإيطالى مايكل أنجلو ياكوبوتشى فى كتابه المهم «أعداء الحوار» من هذا ليتتبع استمرار قيم اللاتسامح وأعراضه فى الأديان والمذاهب والفلسفات والممارسات البشرية، فى مشارق الأرض ومغاربها. وهو بحث عريض ومطول وعميق يصفه هو قائلا: «بحثى هذا لا يسعى وراء عرض صنائع السوء، والنفس السوداء لهذا الدين أو ذاك، أو لأيديولوجية أو لأخرى، أو لعرق أو لآخر، أو لحركة سياسية أو لأخرى، بل إنه يسعى للتأكيد على أننا كلما مددنا أعيننا فى الزمان والمكان، أدركنا أنه لا يوجد بشر أو شعوب، فقط من حيث الجوهر، أخيار أو أشرار، وأنه لا توجد عقائد أو أيديولوجيات حسنة تماما أو سيئة تماما، بل يوجد فقط أناس على قناعة راسخة بأن بعض الأفكار تمثل الخير المطلق، والأفكار المعارضة تمثل الشر. وهذا يحدث لأن هؤلاء يفسرون بطريقة جامدة، تفتقر إلى الاستناد النقدى للمُثل والنواميس التى انتقلت إليهم من خلال معلمين بارزين، ومن خلال حكمة تكونت عبر آلاف السنين. مُثل ونواميس أصبحت فى النهاية سجنا لهم، لا يمكنهم التحرر منه، حتى وإن غيروا الظروف».

ويبدأ ياكوبوتشى باللاتسامح الدينى، الذى يعتبره «القتل باسم الرب» ويظهر فى الحروب المقدسة والقتل الشعائرى والانتحار الجماعى واضطهاد المنشقين، ثم يقول: «إن رحلة بين أعداء الحوار ينبغى أن تبدأ، حتميا، من الدين. أحد أضخم الموضوعات التى تفرض نفسها فى كل حديث عن اللاتسامح، ودائما تحظى منه بنصيب الأسد». ومن ثم فإن العديد من أشكال التعصب مثل كراهية الأجانب، والعنصرية، والاضطهاد، مرتبطة بالممارسات الدينية فى جانب منها، رغم أن مختلف العقائد تحض على التضامن والشفقة، ورغم أن الدين، مهما كان تجسده التاريخى، ثبت أنه منبع لا بديل عنه للرحمة والعدالة.

إن البرهنة على هذه المقولة يمكن أن تعود بنا إلى بدء الخليقة، لنتتبعها فى مسيرة التاريخ البشرى كله، لكن التقاط بعض الأحداث التى وقعت فى العقود الأخيرة يكفى للدلالة على ذلك. فالشاب اليهودى المتطرف إيجال عامير الذى قتل رئيس الوزراء الإسرائيلى إسحق رابين برر ما أقدم عليه بقوله: «لقد أمرنى الله بذلك، ولست نادما» وكان فى هذا يمتثل لنصوص عديدة فى التوراة والتلمود تحض على القتل. ولم تضع الحرب بين الكاثوليك والبروتسانت فى أيرلندا أوزارها إلا قبل سنوات بعد أن أزهقت مئات الآلاف من الأرواح. والخيمنى كان يرسل الأطفال ليفتحوا حقول الألغام أمام جنود المشاة، وفى أعناقهم مفاتيح الفردوس. والأصوليون الهندوس قاموا بهدم مسجد قديم وتسويته بالأرض مخلفين آلاف القتلى.

ويعود اللاتسامح الذى تنتجه الممارسات الدينية المجافية لمقاصد الأديان وغاياتها، فى نظر ياكوبوتشى إلى ثلاثة أسباب رئيسة، أولها: تسييس الدين، وهو بدأ فى اتحاد مهام الحاكم والكاهن فى شخص واحد أو التحالف بينهما، الذى استمر قرونا عانت فيها شعوب الغرب من تبادل المنافع بين السلطتين الكنسية والزمنية، وتسخير مختلف السلطات للدين بتحويله إلى أيديولوجيا واستغلاله فى كسب الشرعية، والتلاعب بالجماهير، ورفع الغطاء عن المعارضين باتهامهم بالرفض أو الهرطقة أو الردة. وثانيها: هو قيام بعض رجال الدين فى المسيحية واليهودية، بالحيلولة دون العلاقة المباشرة بين الإنسان وربه، عبر الكهنوت. وقيام بعض علماء الدين ورموزه فى الإسلام بمحاولة لعب الدور نفسه، رغم أن إحدى ركائز الإسلام هى عدم وجود أى واسطة بين الإنسان والله سبحانه وتعالى. أما السبب الثالث، فهو قيام أتباع كل دين برفض «الأغيار» أو أتباع الديانات الأخرى، فاليهودية رفضت المسيحية، والأخيرة ترفض الإسلام، والأخير لا يرفض الاثنين لكنه يعتمد مسارا معينا لهما، انطوى عليه القرآن الكريم، الذى يقول: «لا نفرق بين أحد من رسله».

كما أن أتباع الديانات السماوية الثلاث يرفضون الأديان والمذاهب الوضعية، ويطلقون على أتباعها اسم «الوثنيين». وقد بلغت هذا الرفض ذروته فى مصر القديمة، حيث تم هدم معابد المعرفة، وتحويلها عنوة إلى كنائس، علاوة على قتل العلماء والفلاسفة، وفى مقدمتهم هياباتيا. وهنا يقول ياكوبوتشى: «بداية من عام 609 م، ومع تكريس البانثيون فى روما أثناء بابوية بونيفاتشو الرابع بدأ افتتاح كنائس عديدة فوق المعابد، كنيسة تلو أخرى». ثم يسرد موجات أخرى من التعصب باسم المسيحية، مثل الصراع بين المسيحيين أنفسهم حول الثوابت العقدية، وموضوعات الهرطقة الكبرى، ثم حرب الفرنجة التى رفعت شعار «الصليب»، وبعدها محاكم التفتيش فى القرون الوسطى، والتى تعد أكثر النقاط سوادا فى تاريخ الكنيسة الكاثوليكية، وتلاها مطاردة الساحرات، ثم ظهور البروتسانتية التى أدت إلى أن تصير أوروبا مسرحا لحرب دينية طويلة، أظهر فيها الطرفان أدلة متساوية على البشاعة والغلظة، لم تنته الفصل الأكثر دموية فيها إلا مع صلح وستقاليا عام 1648 الذى أنشأ مجتمعا دوليا جديدا يقوم على أساس الدولة القومية.

لكن قيام الدولة القومية وانتشار التحديث والحداثة لم يقضيا على الأصولية المسيحية، التى ولدت فى الولايات المتحدة، وظلت تترعرع فيها حتى أوصلت أحد رجالها وهو جورج بوش إلى سدة السلطة، والذى سعى إلى تنفيذ أكثر أطروحات الإنجليين تعصبا، باحتلال العراق وأفغانستان، لتعبيد الطريق أمام الحرب الأخيرة التى تشهد عودة المسيح، كما يعتقد هؤلاء.

وجاءت الأصولية الإسلامية لتجنح بعيدا عن تعاليم الإسلام التى تحض على الرحمة، وتؤمن بحرية الاعتقاد، وتمنع الواسطة بين الإنسان وخالقه. وأخذت هذه الأصولية، لاسيما فى شقها السياسى، تنتج خطابا معاديا للآخر، سواء من بين المسلمين الآخرين، الذين يشكلون التيار العريض والعام من بين شعوب العالم الإسلامى، أو أتباع الجماعات والتنظيمات الإسلامية الأخرى، دعوية كانت أم مسيسة، أو أتباع الديانات الأخرى.

------------------------
الخبر : أعداء الحوار.. عن الذين يقتلون باسم الله .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق