الابن

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

حياته كانت هادئة ومسالمة وخالية من المفاجآت. لذلك لم يخطر بباله قط أن تدخر له الليالى هذه المفاجأة المزلزلة.

أولج عصام المفتاح فى باب البيت بهدوئه المعتاد. وسمع أصواتا عالية فى غرفة المكتب بين شقيقه الأكبر وشقيقته. فآثر أن يجلس فى الصالة المعتمة حتى ينتهى النقاش.

وتسربت كلمات من شقيقته فى الغرفة المجاورة جعلته يُلّم بالموضوع. لقد حدثته بالأمس وصوتها يفيض لوعة وتهدجا أن ابنتها التى تزوجت منذ عامين لم تنجب، ويبدو أن الأطباء متشائمون من إمكانية إنجابها لعيوب خلقية فى الرحم، وهى تريد الآن أن تتبنى طفلة.

شقيقته لم تكن راضية عن رغبة ابنتها، وكانت وجهة نظرها أن تلك خطوة مبكرة جدا، لقد تزوجت منذ عامين فقط، وربما تنجب! فماذا يكون وضع المُتبناة؟

همّ بالانصراف إذ لم يكن يريد أن ينغمس فى هذا الأمر. وبينما هو يهم بالقيام قبل أن يدركوا وجوده، سمع شقيقه يقول: «وحتى لو أنجبتْ لماذا تعتقدين أنه ستحدث مشكلة؟ هل شاهدت أباك أو أمك يفرقان بيننا وبين عصام؟».

ولان صوت شقيقته على الفور، فقالت فى صوت تكسوه المحبة: «عندك حق. طيلة أعمارهم لم يفرقوا بيننا. ولولا أننا عرفنا بالمصادفة لما عرفنا أبدا».

.................

نزلت الكلمات عليه كالصاعقة. لوهلة دارت الدنيا به وأحس أنه سيغشى عليه. ولولا أنه تمالك نفسه- رغم عمره الخمسينى- لانهار تحت وطأة الصدمة المباغتة. وبسرعة سارع بمغادرة البيت قبل أن يشعرا به. سار فى الشوارع على غير هدى. يحتاج أن ينفرد بنفسه ويتأمل الحقيقة الجديدة التى داهمته على حين غفلة.

«لقيط»! الآن يذكر مرة أو مرتين مازحه أخوه الأكبر قائلا له: «إحنا لقيناك على باب الجامع». وضحكت شقيقته لكن أمهم لم تضحك، وضربته. الآن يدرك أنه لم يكن مزاحا سخيفا، ولكن فلتة لسان تداركتها الأم بالحزم.

«لقيط»؟ رباه! بعد أن جاوز الخمسين يكتشف أن أباه وأمه ليسا والديه الحقيقيين. ولكن كيف وهو الابن الصغير؟ المعتاد فى مثل هذه المواقف أن يكون المُتبنى هو الطفل الأكبر بعد يأس الوالدين من الإنجاب؟

وهاجمته رؤى. وكأنه يرى بعينيه منذ خمسين عاما. جامع! شتاء! إنه بالفعل من مواليد يناير. والده (أيقول والده؟) يسير الهوينى عائدا إلى منزله فى وقت متأخر من الليل! يسمع بكاء الرضيع المُلقى بلا حيلة بجوار باب مسجد؟ يتحرك قلبه الرحيم فيحمل الوليد الجائع ويقنع زوجته بأن تضمه للأسرة. يقسم أن ذلك ما حدث بالفعل! وانتابته قشعريرة وهو يفكر فى كمّ الرحمة التى أودعها الله فى قلوب هذه الأسرة، لا يستثنى أخويه. لم يشعر لحظة بأى نوع من التفرقة؟ حتى القبلات التى توزعها أمه كانت متساوية! أعمال المنزل التى نادرا ما كانت تكلفهم بها! الخروج لابتياع الحاجات! بل كان أكثرهم تدليلا لأنه الصغير!

وحتى شقيقاه (أيقول شقيقيه؟) فإنهما لم يترددا فى إشراكه فى الميراث برغم شح المال وقسوة المعيشة!

انهمرت دموعه فى بطء! والعجيب أنه لم يشعر بوضاعة الأصل ولا فكر فى مصارحة شقيقيه بأنه سمع السر، ولا فكر لحظة فى إخبار زوجته بالأمر المستجد. إذ خامره شعور رطب بالرضا، وبأنه حرىّ به أن يشكر الأقدار لا أن يلومها. ومزيد من الدعاء والاستغفار للعزيزين اللذين طوقاه بجميل الدهر. وها هى شمس عمره- على كل حال- قد آذنت بالمغيب.

------------------------
الخبر : الابن .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق