الحب الأول (١)

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

ما من أحد منا إلا ومر بتجربة الحب الأول.. ففى هذه السن الباكرة يبدأ الإنسان - كسلوك فطرى - التفكير فى شطره الآخر، بحثا عمن يتكامل معه.. ونادرا ما تنتهى التجربة بالزواج، لأنها عادة ما تكون أقرب إلى عالم الأحلام منها إلى الواقع، لكنها تترك بصماتها فى النفس حتى مراحل متأخرة من العمر.. فى الصف الثانى الثانوى، كان عمر «حسن» ١٥ عاما، بدا أكثر اهتماما بنفسه.. كان يسمع من زملائه فى المدرسة الكثير من الحكايات والروايات عن مغامراتهم مع الفتيات.. لم يكن يبالى أو يهتم، بل كان يستخف بهم، لكن الروايات استفزته وحركت فيه رغبة التحدى، فهو لا يقل عن هؤلاء الفتيان وسامة وأناقة، ومن الممكن أن تكون هناك فتاة تهتم به ويهتم بها.. بدأ حسن يرسم فى خياله صورة للفتاة التى يمكن أن يقع فى حبها.. كان يشاهد وهو يسير فى الطريق مجموعات من الفتيات، غاديات أو رائحات من مدارسهن، وكان يسأل نفسه: هل يمكن أن تكون هذه الفتاة أو تلك هى محبوبته؟ ولأنه كان من رواد السينما، فقد كان يبحث عن فتاة تشبه واحدة من الممثلات الأجنبيات اللاتى عشن فى خياله زمنا، من أمثال: جريس كيلى، وآفا جاردنر، وفيفيان لى، وأوليفيا دى هافيلاند، وجريتا جاربو، وانجريد برجمان، وغيرهن.. أعياه البحث، وأوشك أن يغلق هذا الباب.. لكنه فى أحد الأيام، توقف فجاة أمام فتاة، خطفت بصره وجذبت انتباهه.. لا يدرى كيف حدث هذا..

كانت نموذجا مختلفا.. فتاة جميلة، رشيقة، قسماتها واضحة ومحددة، قمحية اللون، وشعرها أسود طويل.. كانت خارجة من مدرستها ضمن عشرات، بل مئات من زميلاتها.. تبعها وسار خلفها، وهو مأخوذ بها مشدود إليها، حتى وصلت إلى منزلها.. كانت تنتمى إلى مدرسة المعلمات، وهى نفس المدرسة التى بها أخته التى تكبره.. حدثها عنها، فعرفتها.. كان اسمها «نهلة».. ظل أياما يرقبها، من لحظة خروجها من منزلها فى الصباح حتى مدرستها، ومن لحظة خروجها من مدرستها قرب العصر حتى منزلها.. أحس كأنه يريد أن يملأ عينيه منها، لكن العينين لا تشبعان ولا ترتويان، وأنه فى حاجة إلى المزيد والمزيد، وأن هذه المسافة التى تقطعها من المنزل إلى المدرسة، والعكس، لا تفى بحاجته ولا تروى ظمأه.. بعد عدة أيام، شعرت «نهلة» بأن هناك من يرقبها ويتابعها كظلها.. بدأ يثير انتباهها، فالتفتت إليه والتقت نظراتهما.. أسرع قلبه فى الخفقان، وربما شعر بقلبها يخفق كذلك.. أحس لحظتها أن الدنيا كلها تبتسم له، وكأن الجنة فتحت أبوابها، فلا يرى إلا ورودا ورياحين وأزهارا ذات ألوان بهيجة وروائح عطرة، وجداول من ماء صاف يترقرق وله خرير جميل، وأشجارا متشابكة الأغصان فى روعة وبهاء، وبلابل تنتقل بخفة ورشاقة بينها، ثم تقف لتنظر إليه، كأنها تجذب انتباهه لينصت إليها وهى تشدو بأعذب الألحان.. وصل إلى مدرسته بسرعة مذهلة، كأنه قطع المسافة فى غمضة عين.. شعر بأنه يطير محلقا، ولديه رغبة عارمة لرؤية أصدقائه كى يحدثهم عن مشاعره.. قضى يومه غير ملتفت لما يجرى حوله، كأنه فى دنيا غير الدنيا.. وفى العودة حدث نفس الشىء.. التقت النظرات، وإن كانت بصورة أكثر عمقا وتأملا.. دخل «حسن» منزله، ولاحظ أن كل من فيه علت وجهه إشراقة وفى نفسه صفاء.. كان لطيفا ورقيقا ومهذبا مع الجميع.. يشيع البهجة فيهم، فمعينها لديه يسعهم ويسع الدنيا كلها، يريد أن يساعد والدته وأخواته فى عمل البيت، ويقوم بترتيب وتنظيم حاجياته.. لم يأكل كما العادة.. كان حالما.. لقد تغير حاله.. وتساءل الجميع: ما الذى جرى له؟ لم ينم ليلته.. قام وكتب خطابا لها يبثها فيه حبه وهيامه، وكيف أنها أضحت حياته ودنياه..

فى اليوم التالى أسرع كالعادة إليها، ينتظر خروجها من منزلها.. مضت لحظات كأنها الدهر كله.. وأخيرا ظهرت على باب منزلها.. تبادلا النظرات ومعها شىء من الابتسام، وإن كان ابتساما مترددا.. كان واضحا أن القلبين تعانقا.. شجعه ذلك على الاقتراب منها.. ناولها الخطاب، فمدت يدها بسرعة وتسلمته.. فى تلك اللحظة، شعر حسن أن العالم كله خلا إلا منهما.. لم يتحدثا، وانطلق كل منهما فى طريقه.. يبدو أن الجرعة كانت أكبر من أن يتحملها.. كان مجرد تسلم الخطاب منه بمثابة صك اعتراف بأن التواصل قد تم والتفاعل قد حدث.. كان واثقا أن هناك رضا وقبولا، لكن هذا القبول كان يحتاج إلى تأكيد وتعزيز.. لذلك كان ممتلئا سعادة، وإن كانت من نوع غريب.. سعادة لم يعرفها من قبل، فها هو يشق طريقا خاصا به فى عالم المحبين والعشاق.. صحيح أنه عالم العجائب والغرائب، إلا أنه عالم لذيذ وممتع..

استيقظ «حسن» فى فجر اليوم التالى، وانتظر بزوغ الشمس بفارغ الصبر، وما هى إلا دقائق معدودات حتى كان فى الطريق إلى منزل «نهلة».. وهناك ظل مترقبا ظهورها.. مرت الدقائق كأنها ساعات.. كان التواصل القلبى بينهما يعطيه إحساسا يقينيا بالحالة التى عليها.. فهى الآن تتناول إفطارها، ترتدى ملابسها، تنزل على درجات السلم، وهاهى تخرج من باب المنزل.. سارع إليها.. وجدها تمد يدها إليه بخطاب.. أخذه وانصرف على عجل.. كان يتلهف شوقا لمعرفة ما فيه، ويريد أن يرى صدى كلماته إليها.. لذا، لم يصبر حتى يصل إلى المدرسة، وقام بفضه وهو ما زال بعد فى الطريق.. قرأه كلمة كلمة، وجملة جملة.. كان يتوقف عند كل كلمة وعبارة وفقرة.. أعاد قراءته مرات، وفى كل مرة كان يكتشف معانى جديدة، عميقة ومتألقة.. كل قراءة كأنها ميلاد جديد له.. كان يريد أن يخبر أصدقاءه وأحبابه والدنيا كلها بمكنون قلبه وفؤاده، وأن إنسانة على هذا القدر العالى من الجمال والرقة أصبحت تبادله حبا بحب وهياما بهيام.. أن السعادة تكمن فى الإحساس بالمشاركة، ومحال أن يشعر الإنسان بالجمال ما لم ينقل شعوره بالحديث إلى صديق أو حبيب.. أن جمال الحياة فى القدرة على الحب، وحين يعجز الإنسان عن الحب، تصبح حياته مقفرة ومجدبة وقاحلة، وفاقدة للمعنى والمضمون.. لقد خلق الله تعالى الإنسان فى كبد.. ولكى يكون قادرا على مواجهة لأواء الحياة، لابد أن يكون محبا ومحبوبا أيضا.. هذا الحب هو المناعة، وهو خط الدفاع الأول الذى يحمى الإنسان من القلق والتوتر والاضطراب.. بهذا الحب يستطيع الإنسان أن يصمد ويثبت ويقاوم، بل يتجاوز آلامه وجراحاته وعذاباته.. وإذا وجد هناك من يشاركه همه وحزنه، فقد هان الهم وتراجع الحزن وتبدد الألم.. والحب يورث صاحبه قوة واستهانة بالخطر، ويعتبر من أعظم الدوافع على تخطى الصعاب وبلوغ المعالى، مهما كانت التحديات.. والمحب لا يحقد ولا يكره، بل تعمر قلبه طاقة هائلة من التفائل والأمل والإحساس الدائم بكل ما هو جميل ونبيل...

------------------------
الخبر : الحب الأول (١) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق