توفيق دياب يكتب: مصر الفتية.. بين أغلالها ومطامحها

0 تعليق 4 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

مصر ليست بالعاجزة، مصر الفتية الناشئة الناهضة ابنة اليوم الحاضر، ليست بعاجزة، كلا، ولا حاجة بك ولا بى ولا بأحد من الكتاب أو الشعراء، أن يستعير لها ألوان المجد القديم من أجدادها الفراعنة أو آبائها العرب! ذلك أن لمصر الفتية بنت اليوم الحاضر مجداً طريفاً، تريد أن تبلغه في يومها هذا وفى غدها القريب، كما بلغت مصر الفرعونية ومصر العربية مجدها التليد! أما مظاهر العجز التي تراها، فليست إلا مظاهر، نعم، وليست إلا ظروفاً قاهرة، وغلبة مسلحة في البر والبحر، وظلماً من الخارج وظلماً من الداخل- ظروفاً قاهرة ولدت مصر الفتية مغلولة بأغلالها مرتطمة في غمارها! ومازالت تعانى منها ما يعانى المختنق المكظوم من جو فاسد مسموم! فهل نسمى ذلك عجزاً إلا كما نسمى احتباس الآساد المقهورة بين قضبان الحديد عجزاً؟ فإذا سميته عجزاً، فهل هو عجز كامن منبته طبيعة الأسود، أو هو عجز طارئ لا يلبث إذا حطمت القضبان وأخلى السبيل لملوك النقاب، أن يستحيل جرأة وإقداماً وقوة صائلة جائلة في ميادين الغلب ومعترك الحياة؟ دليلنا قائم وقريب! دليلنا قائم وقريب على أن مصر الناشئة كمصر المجيدة الماضية، ليس يعوزها عنصر من عناصر الحيوية المنتجة، ولا عامل من عوامل السبق والتبريز، فيما تزدهى به الحضارة ويتم به العمران، ودليلنا قائم وقريب على أن المصرى إذا أخلى سبيله ولم تعترضه القوة الغاشمة، أو السياسة القاهرة، انتهى بمواهبه وعزيمته إلى مثل ما تنتهى إليه همم الغرب وقد تفوقه وتعلوه، ذلك على حداثة عهدنا بطرائق الغرب وعلومه ووسائله!

صحيفة الجهاد لمؤسسها توفيق دياب وشعارها

وإليك الآن يا صاحبى بعض الشواهد، بعض شواهد قليلة فيها الدلالة السعيدة الناطقة بأن مصر الحديثة ليست أقل استعداداً للارتقاء إلى مستوى الغربيين، أو العلو فوق مستواهم، إذا لم تقف السياسة الملتوية الحاسدة سداً في طريق المصريين!

بنك مصر ما هو؟ ماذا كان يوم ولدته الهمة الشماء وماذا هو اليوم؟

ولدته الهمة المصرية، واحتضنته الهمة المصرية، وقام على تنشئته وتنميته، وتأصيل أصوله، وتفريع فروعه وتوليد مواليده، الغر الميامين، في كل مدينة مصرية وفى عواصم الشرق العربى، وفى عاصمة العواصم «باريس».

قام على هذا كله رجال حصفاء، يزنون الدرهم بالدقة التي يزنون بها الطن والقنطار، رجال يعيشون في الحاضر المتواضع بشخوصهم، ولكنهم يعيشون في المستقبل بأحلام صادقة كأحلام الرسل والأنبياء، أحلام تصدقها الأعمال، ومطامح تبدو للعاجزين بدوات أثيرية وأخيلة وهمية، فلا يكاد يغدو عليها الغد أو يمر عليها العام، حتى تراها حقائق بارزة متينة جسيمة، تملأ العين المصرية من جلالها وعظمتها فرحة قريرة، فيطمئن المصرى إلى أن تدبير المال الوطنى، وإنشاء الصناعات الوطنية واسعة النطاق مكفولة النجاح، ليس وقفاً على بلاد الغرب ومواهب الغربيين، ويطمئن المصرى إلى أن اتهام مصر بالعجز في هذه الناحية الحيوية من نواحى الحضارة، إنما هو خرافة غربية وتهمة أجنبية، ألح القوم في إعادتها وتكرارها تخذيلاً للمصريين، وقضاءً على بذور النبوغ فيهم، وسداً لباب الأمل أمامهم وأبواب العمل!

خبرنى وأبيك، ماذا يستطيع الغربى لبلاده في ميادين المال والصناعة على اختلاف ضروبها، وإنشاء المنشآت التجارية الحديثة، متصلة الحلقات منوعة الألوان والأشكال في البر والبحر وفى أجواز الفضاء- أكثر مما استطاعه لبلاده طلعت حرب وإخوانه المصريون في هذه الميادين حتى الآن، وهم مازالوا يسبحون في أحلامهم لمستقبل مصر الصناعى والتجارى، مازالوا يحلمون بالليل، ويحققون أحلامهم الصادقة المجيدة بالنهار! وهل تظن منافع هذه المنشآت الجليلة مقصورة على نتائجها المادية محسوبة بالدرهم والدينار؟

كلا بل إن لها من الفوائد المعنوية ما يزيد على فوائدها المادية.

لقد عاودت المصريين ثقتهم بأن بينهم عدداً عظيماً من الأفراد القادرين على أن يسابقوا الغربيين في كثير من الأعمال التجارية والصناعية الحرة، وها أنت ذا ترى اليوم، وسترى في الغد القريب، منشآت من هذا الطراز لأفراد مصريين، ولجماعات مصرية تفخر بها البلاد، وتزدهر على أيديهم حياتها الاقتصادية!

■ ■ ■

والآن، عرج بنا إلى ناحية العلم والعلماء، وناحية الفن ورجال الفن.

أليس بين المصريين من يقصد جامعات الغرب طالباً بادئاً، فيعود في بضع سنين عالماً يحمل أضخم الألقاب من أعظم المعاهد، فإذا عاد إلى بلاده، فهل ينقصه سوى الجو المستقل الحر، الذي لا تكاد القرائح تثمر أنضج ثمارها، إلا مستمدة من أشعته، محفورة بإلهامه.

وإذا كانت الحرية،، خير بيئة تحفز العلماء المصريين إلى أن ينتجوا خير ثمرات القرائح، فهى كذلك خير بيئة تدفع رجال الفن من أبناء الوطن إلى أن ينتجوا خير ثمرات الخيال!!

ذلك أن الوطن الحر يحنو على أبنائه النابغين كما يحنو الوالدان على طفلهما من عطف وتقدير! وكذلك الوطن، يعلم أن رفعته لا تكون إلا بأبنائه وبكد سواعدهم القوية وقلوبهم العامرة، وقرائحهم المضيئة، وهممهم العالية!

يومئذ يحس كل مصرى، ولاسيما طبقة النابغين الممتازين، أنهم الأركان، وأنهم العمد، التي يقوم عليها صرح الوطن المستقل الحر، وكفى بهذا الشعور دافعاً للعلماء المصريين إلى التوسع والتبحر والاختراع، ودافعاً لرجال الفن من المصريين إلى الابتكار، حتى يبلغ منهم الموهوبون مراتب العباقرة والأفذاذ.

فالعلماء، وأهل الفن، والأدباء، وذوو الرأى، والتجار، والصناع، وكل من رواه وروى آباءه ماء النيل، إنما هم تحت راية الوطن جنود بواسل، لا فرق بينهم وبين الجيش المحشود في ميادين القتال، سوى اختلاف في أنواع السلاح ووسائل الدفاع!

لقد شهدت بذلك أحوال الأمم الحرة المستقلة، خلال سنوات الحرب العظمى، بين دول الحلفاء وأعدائهم على السواء.

لقد استحال في تلك السنين رجال الوطن ونساؤه، شيوخه وشبابه، علماؤه وجهاله، جامعاته ومصانعه، وكل معهد فيه ومتجر، بل كل ذرة من ذرات الوطن المستقل الحر- إلى كتلة متراصة هائلة من الأيدى السريعة العاملة، والعقول السريعة المنتجة، والأرواح القوية المبذولة في حومة الوغى تحت النيران، أو في حومة الإنتاج الخارق لكل مألوف معروف، تحت راية الوطن عن الحرية، ويرفع لواء الاستقلال.

هذا وعلى رغم القيود والأغلال التي أوثق بها مصر ظلم الظالمين، وعلى رغم الظلام الحالك والجو المسموم الذي يحيط بهذه الأمة الصابرة المجاهدة، ترى بذور النبوغ تنبت في أرض مصر الخصبة المنتجة، في كل منحى من مناحى الحياة.

ولا نريد أن يتمثل في عالم الأدب، بطريد الاضطهاد، الذي ضاقت به الجامعة المصرية- الدكتور طه حسين.

ولا نريد أن يتمثل في عالم الفن، بالطريد الآخر الذي ضاقت عنه مصر في هذا العصر، واتسعت له باريس- المثال مختار.

وإنما خصصناهما بالذكر هنا لما عانيا في جو مصر الحاضر من عنت، ولأن شأنهما وشأن كثير من رجالات الأدب والفنون في مصر، دليل ناهض على أن أخلص ما تكون الآداب والعلوم، وأصفى وأغزر ما تكون ثمرات المواهب والعقول، حين تخفق على ربوع الوطن، راية الحرية.

■ ■ ■

على أننا في هذا المقال لسنا بسبيل التفصيل والإحصاء لما يصيب مصر من أذى خصومها في الداخل والخارج، ولا سبيل التفصيل والإحصاء، لما يوضع بسبيل ارتقائها من أسداد وعقبات.

وإنما مرادنا بهذا المقال أن نثبت استعداد المصرى لأن يلحق بالغربى- وقد يفوقه في حلبة الحضارة- ومعتركها- إذا لم تغلق السياسة الملتوية في وجهه أبواب الفرص ولم تسلبه حرية النبوغ.

ماذا تختار أن أحدثك فيه من دلائل القدرة المصرية، والكفاية المصرية؟

أميدان الرياضة البدنية والقوة الجسمانية وأساليب المهارة في ألعاب الغرب؟

قلما يمر بك عام بل شهر دون أن تقرأ أو تسمع، أن بطلاً مصرياً قد ذاع صيته في أوروبا، واشتهر بانتصاره على أبطالها في نوع من أنواع الرياضة التي كلفوا بها ومرنوا عليها منذ أجيال!

أتريد أن تقفز من هذا الميدان إلى ميدان الثقافة، ثقافة البنات في مصر بله ثقافة البنين؟

إن هذا العام قد شهد فتاة محامية مصرية، وشهد طبيبات مصريات، درسن منهاج الطب كله كشأن زملائهن من الفتيان!

أتريد أن تنتقل من الأرض إلى السماء، طفرة، ومن سباق اليابسة إلى سباق الهواء؟

إن لطفية النادى، تلك الفتاة المصرية النابتة في بيت مصرى، كذلك الذي يضم أخواتك وبناتك، والتى لم يروها ماء غير ماء نيلك ولم تظلها سماء غير سماه وطنك، لطفية النادى هذه إحدى الملايين من أخواتك، قد بدا لها أن تتعلم الطيران منذ زمن ما نظنه يعدو سنتين، وقد يكون أقل، فكانت مدرستها إحدى منشآت طلعت حرب وإخوانه- وفجأة، وعلى حين غرة من جم غفير من نسور الجو المشهورين، وأبطاله المحنكين الذين قدموا إلى مصر زرافات ووحداناً، ليتسابقوا فيما بينهم أيهم أعظم سرعة وأوفر حذقاً بفن الطيران- نقول فجأة وعلى حين غرة من أولئك النسور الجوارح، تبرز فتاة في الميدان، وتحلق في الجو وتعلو إلى السماء، متواضعة باسمة، ولكن مطمئنة واثقة.

فما هي إلا أن تعود الحمامة المصرية الفتية منتصرة ظافرة، وما هو إلا أن يعود النسور الجوارح متخلفين مسبوقين، ولكن مهنئين دهشين!

أمعجزة هذه أم سحر ورثناه عن موسى وهارون؟ لا هذا ولا ذاك، بل المواهب المصرية aمن مصر الماضية المجيدة، إلى مصر الفتية الطامحة!

بقلم وكأنه خارج للتو من محبرة الوطن، معبأ بكل ما تحويه مصر من مظاهر الحضارة والفخار، رصد توفيق دياب في مقالاته أهم قضايا المجتمع المصرى في ثلاثينيات القرن الماضى، وهى تقريبا القضايا نفسها المطروحة حتى الآن. بحثاً عن جسر النور الذي يعبر بنا إلى جهة العالم المتحضر، بكل ما تحمله مصر من ماضٍ عريق وحاضر ثرى يؤهلها لتكون في مقدمة الأمم، في مستقبل استشرفته بصيرة ثاقبة لقلم لم يعرف المهادنة، وظل حالماً للنهاية بغد أفضل.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

------------------------
الخبر : توفيق دياب يكتب: مصر الفتية.. بين أغلالها ومطامحها .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق