(وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

كعادتى كل مساء. الفيض الروحانى مع قرآن العشاء يتلوه الإمام حسن الصوت. كنت متأخراً، وكان الهواء بارداً نوعاً ما. وقبل أن أصطف مع المصلين باغتنى الصوت العذب: «وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ».

ولا أدرى ماذا دهانى؟ وكأننى أتطلع إلى الملأ الأعلى! وكأننى أسجد عند سدرة المنتهى. دخلت فى الصلاة وأنا فى منتهى الاضطراب. وقد راح قلبى يخفق عالياً. أسرتنى العظمة الإلهية المتمثلة فى لفظ (قضى ربك). فكأن توحيد الله قضاء مبرم.

يا للقرآن! ويا لسحره العجيب علىَّ! احترت طويلاً فى تفسير عظمته! لماذا هو النص الوحيد الذى راحت تتناقله الأجيال؟ لم يكن رسولنا محمد يحمل إلا هذا القرآن. وبفضله صار المسلمون أمة، تعد بآلاف الملايين.

وكلما ذهبت إلى الحرم وتأملت وجوه القادمين من الشرق الأقصى، وهم ينتظمون فى ثياب ملونة وقبعة سوداء فلكلورية. وكنت أسأل نفسى وقتها: ماذا لو بُعث كفار قريش من الموت؟ ماذا لو شاهدوا كيف أصبح لليتيم الهاشمى أتباع بالملايين؟ ما سر ذلك السحر الذى أوتيه محمد، يفرق بين الابن وأبيه، والأخ وأخيه؟ ولماذا لم يبطل هذا السحر بعد القرون؟ ولماذا يترك أصحاب البشرة الصفراء والعيون الضيقة والقمصان الملونة جزرهم البعيدة حيث يلطم البحر الشاطئ بلا انقطاع؟ أنا وحدى أعرف الإجابة! إنها القرآن.

احترت طويلاً فى سر جاذبيته؟ بل تفسير روعته؟ لماذا- وأنا الذى قرأت عيون الأدب ولم أترك روائياً عظيماً إلا قرأت أعماله! أليس كل هؤلاء هم صفوة البشرية، ولسانها البليغ فى التعبير عن شجونها، فلماذا لم يرق أحدهم إلى سطر واحد من كتاب الله؟

احترت. لم أجد تفسيراً يقنعنى فى كتب القدماء. تفسيرهم للبلاغة لم يلمس روحى ووجدته متقعراً ولا يناسب عصرى. وحين عثرت على كتاب «التصوير الفنى فى القرآن» لسيد قطب فكأننى عثرت على كنز! حين طرح نظريته الرائدة- كناقد أدبى من الطراز الأول- كيف يستخدم القرآن التصوير الفنى فى التعبير عن أغراضه فيما عدا التشريع. وكيف ينقل المعنى المراد من مجرد فكرة مجردة إلى صورة نابضة للحياة!

وهمت طويلاً بهذا التفسير. وأحسست أننى أمسكت بطرف السر. وأن اللغز لم يعد لغزاً. لكننى سرعان ما أدركت أنه- وإن كان تفسيراً رائداً يكشف روائع القرآن البلاغية- فإنه لا يكفى وحده لتفسير تأثير القرآن.

سر القرآن يكمن فى (قضى ربك). كان من الممكن أن يستخدم القرآن (أمر ربك) أو أى لفظ آخر يفيد الأمر، ولكنها العظمة اللامتناهية التى تحملها ألفاظ القرآن. المفارقة الإلهية عن سائر المخلوقات. ولأنه الله، الله الذى خلق مائة مليار مجرة، وخلق الإلكترون والذرة، ولأنه احتجب عن خلقه بحجاب العظمة والكبرياء، ولأنه ليس كمثله شىء، ولأنه الأول والآخر والظاهر والباطن، ولأنه يدرك الأبصار ولا تدركه الأبصار، فإنه من البديهى جداً أن تحمل ألفاظه- حين يتحدث عن ذاته العلية- أكثر مما تطيقه الألفاظ. فيوشك اللفظ أن يأتى مترنحاً مثقلاً بعظمة الله.

هذا هو سر القرآن وسبب تأثيره العجيب على القلوب. إنه (التأله). التأله الذى لا يستطيع بشر أن يحاكيه حتى لو أراد. هذه التأله يتسرب إلى الألفاظ فتخشع القلوب اليقظة. تسجد القلوب وتترنح الأجساد.

الآن أفهم قوله تعالى (لَوْ أَنزَلْنَا هَٰذَا الْقُرْآنَ عَلَىٰ جَبَلٍ لَّرَأَيْتَهُ خَاشِعًا مُّتَصَدِّعًا مِّنْ خَشْيَةِ اللَّهِ). صدق الله العظيم.

------------------------
الخبر : (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ) .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق