الإسلام..الدعوة والدعاة

0 تعليق 5 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

الإسلام يبتغى إيمانا خالصا يصحب المرء فى جميع أحواله؛ فى يقظته وغفوته، فى غدوه ورواحه، فى حله وترحاله، فى بيعه وشرائه، فى فرحه وحزنه، فى صعوده وهبوطه، فى عافيته ومرضه، فى غناه وفقره، فى بيته وعمله، وهكذا.. والمرء بهذا الإيمان يكون مع الله، ومن كان مع الله، كان الله معه، فلا يشعر بغربة وإن كان بعيدا عن وطنه، ولا بوحشة وإن كان بمنأى عن أهله وأصحابه وأحبابه.. فى الصلاة يقف الإنسان بين يدى خالقه ومولاه خمس مرات فى اليوم والليلة، يناجيه ويناديه، يدعوه ويتضرع إليه، يسأله الصفح والعفو، والهداية والاستقامة، والقوة والعافية، والأمن والأمان، والتوفيق والسداد، والفوز والفلاح فى الدنيا والآخرة.. ومع آيات القرآن، يعيش قضايا وموضوعات وثيقة الصلة بدنيا الناس.. فيها التشريع الداعى إلى العدل والإحسان، والرحمة والرأفة بالإنسان.. وفيها القصص الزاخر بالعبر والعظات من خلال أحداث الأولين والآخرين، وفيها الدعوة إلى التفكر والتدبر والتأمل فى الكون، والأفلاك، وما سكن فى الليل والنهار.. وفيها الحديث عن آلاء الله الباهرة ونعمه العظيمة التى أسبغها على عباده.. وفيها الأخذ بأسباب العلم والتقدم والرقى، وهكذا..

وقد اصطفى الله تعالى من بين خلقه رسلا مبشرين ومنذرين، ليعرفوا الخلق بالله، وبأوامره ونواهيه، وبما يرشدهم ويقودهم إلى سعادتى الدنيا والآخرة.. وهؤلاء يمتازون عن بقية خلقه بسمات وصفات عليا، تمثل ذروة الكمال البشرى، قدرة وكفاءة وطاقة وعقلا وحلما وصبرا وتواضعا وهمة وعزما وإرادة ورحمة ورأفة وعطفا.. ولأن «كل بنى آدم خطاء»، كما جاء فى الحديث، وأن أهواءهم تغلبهم فى معظم أحوالهم، فان إعادتهم إلى الصواب وتثبيتهم عليه يحتاجان إلى جهد متصل ودعوة مستمرة وصبر طويل.. كما يحتاجان إلى رقة وعطف وتلطف، مع مثابرة ودأب وإصرار.. على الدعاة إلى الله تعالى أن يكونوا موصولين به سبحانه، صادقين معه فى السر والعلن، مجاهدين لأنفسهم لإصلاح ما بها من عيوب، متخلقين بأخلاق نبيهم ومقتدين بسنته (صلى الله عليه وسلم).. عليهم أن يكونوا أصحاب فهم دقيق وفقه عميق للدين والدنيا، وهو ما يتطلب ثروة كبيرة من نصوص الكتاب والسنة، وإحاطة تامة بطبيعة البيئة التى يتحركون فيها، ومعرفة شاملة بأحوالها الظاهرة والخفية، وظروفها القريبة والبعيدة..

إن بالإسلام أصولا صلبة، وفروعا مرنة، وفيه أقوال وآراء نسبتها إلى الناس أقرب من نسبتها إلى رب الناس، والدعاة الراشدون يعرفون واجبهم إزاء هذا كله.. أما الدعاة غير المؤهلين، فهماً وفقهاً - وما أكثرهم - فيسيئون إلى الإسلام باكثر مما يسىء إليه أعداؤه وخصومه.. بل إن بعضهم يعتبر نماذج رديئة وهابطة، ثقافة وأخلاقا وسلوكا.. فى كتابه (مائة سؤال عن الإسلام)، يقول شيخنا الغزالى: «وأخشى أن يذهب داعية ليطعن فى قانون السببية، ويزعم أن النار لا تحرق بحرها، وأن السكينة لا تقطع بحدها، كما هو مقرر فى كتب الكلام عندنا.. أو يذهب آخر ليقول: لا تقيدوا الحاكم بالشورى، فليس يجب عليه ذلك.. أو يذهب آخر فيقول: لابد من ضرب النقاب على وجوه النساء وحبسهن فى البيوت أغلب العمر، فلا تعلم ولا تعبد ولا تمشى فى الأسواق..».

وتقوم الدعوة الإسلامية فى الأساس على الإقناع الحر، ولا مجال فيها للإكراه مطلقا، وتؤكد على مسؤولية الإرادة البشرية الحرة فى الطريق الذى تختاره، فالله تعالى أعز وأجل من أن يعبده إنسان غصبا أو على غير رغبة منه.. ولا عجب فى ذلك، فالحرية من أجلّ وأعظم فرائض الإسلام.. يقول عز وجل: «لا إكراه فى الدين» (البقرة: ٢٥٦)، ويقول أيضا: «وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر» (الكهف: ٢٩)، ويقول كذلك: «إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا» (المزمل: ١٩)، ويقول: «فذكر إنما أنت مذكر* لست عليهم بمسيطر» (الغاشية: ٢١-٢٢)، ويقول أيضا: «نحن أعلم بما يقولون وما أنت عليهم بجبار، فذكر بالقرآن من يخاف وعيد» (ق: ٤٥).. إن حرية التدين مكفولة لجميع بنى البشر، كفلها المولى تعالى.. انظر إلى قوله سبحانه: «ولو شاء الله لجمعهم على الهدى، فلا تكونن من الجاهلين» (الأنعام: ٣٥)، وقوله: «ولو شاء ربك لآمن من فى الأرض كلهم جميعا، أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين» (يونس: ٩٩)..

يقول الأستاذ الزيات: «إن الإسلام كان ولا يزال نعمة الله على الناس قاطبة، والوسيلة الفذة لإيضاح الحقيقة وصيانة الحقوق، وكبح جماح الباطل، وصد الجبروت.. ولم تكن الفتوح الإسلامية فتوح استعمار وجباية، وإنما كانت فتوح تحرير وهداية..كانت فتوحا فى الأرض للحرية والعمران، وفتوحا فى العقيدة للتوحيد والإيمان، وفتوحا فى الشريعة للحق والعمل، وفتوحا فى السياسة للعدل والإحسان، وفتوحا فى اللغة للأدب والبلاغة، وفتوحا فى العلم للإحياء والتجديد، وفتوحا فى الفن للابتكار والطرافة..».

إن أعظم ما توصف به الدعوة إلى الله هى أنها تقوم على أساس الحكمة والموعظة الحسنة، مصداق ذلك قوله: «ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة» (النحل: ١٢٥)، وقوله تعالى: «وقولوا للناس حسنا» (البقرة: ٨٣).. لكنا للأسف، ابتلينا فى تاريخنا القديم والحديث من أصحاب التدين المنحرف - فكرا وفهما - من يقولون ويمارسون عكس ذلك.. فقد حول الخوارج الخلاف السياسى إلى خلاف عقدى، ومن يومها جرت الدماء أنهارا.. وما يفعله خوارج العصر من «قاعدة» و«دواعش»، وغيرهما هو امتداد لهذا الانحراف.. هذه النوعية من التدين، القائم على استئصال الشعوب واجتياح حقوقها تمثل آفة اجتماعية، بل كارثة أخلاقية وجريمة إنسانية بكل المقاييس.. إن تغيير الواقع الإنسانى - تحت أى مسمى - بهدف جمع الناس على دين واحد هو أامر مستحيل، عقلا ومنطقا وتاريخا.. لذا، فليظل حق الحياة محفوظا لضروب الإيمان المنتمية إلى السماء، ولتعط جميعا ضمان الدعوة إلى الله دون حرج أو ضغط، ودون خداع أو مكر.. والإسلام - فى تصورى - يرحب بهذا النهج.. ومن حقه - وقد أقر بالحياة لغيره - أن يظفر بإقرار حق الحياة له ولأمته..

------------------------
الخبر : الإسلام..الدعوة والدعاة .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق