وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

ما زلنا مع الفيض الإلهى. نستكمل مع الآيات البيّنات. أمس الأول استغرقتنى آية (وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ)، واليوم أكمل ما شعرت به وأنا أصغى لهذه الوصايا الأخلاقية الغالية:

«وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا».

هذا التكريم غير المسبوق للوالدين، إذ يُقرن الله، عز فى علاه، توحيده بالإحسان للوالدين. ربما لا ينتبه الكثيرون أن القرآن يرتب لنا فى هذه الآية أولوياتنا فى الحياة.

فيا أيها القارئ، يا أيتها القارئة، يا كل من يريد أن تمضى رحلة الحياة على خير. يا كل من يعرف أن لهذا الوجود المرهف مُوجدا، سبحانه وتعالى. يا كل من يقر أن الشمس لم تشرق بذاتها، والقمر لم يضئ بنفسه، والنجوم فى مسافاتها السحيقة لم تومض فى السماء بلا سبب. يا كل من يرى الله فى كل شىء. فى هجرات الطيور وهى تقطع الكوكب الأرضى من شماله لجنوبه، تتبع بوصلة مغناطيسية غامضة. فى رحلة الأسماك الصائمة تقطع آلاف الأميال تواجه التيارات العنيفة كى تعود إلى خلجان الأجداد قبل موتها. يا من تأسرهم مواسم الحب فى المخلوقات كل ربيع، يعرفون أن وراءها غاية، تلمح لنا بالخالق العظيم الذى خلق هذا الجمال كله.

القرآن رتب لنا أولوياتنا إذا أردنا أن نغادر الحياة على خير. توحيد الله ثم الإحسان لوالدينا.

لاحظ الإشارة الرقيقة فى (عندك)، وكأن بلوغهما الكبر يجعلهما (عندك)، حتى وإن كانا لا يقيمان عندك! فهما فى أسر الكبر أسيران لإحسانك.

مملان هما. حديثهما مكرر. وسمعته ألف مرة حتى مللت من سماعه. ضعيفان ويحتاجان إلى الرعاية. وفطرتك تدفعك إلى الاهتمام بالجيل الجديد: أبنائك. ألم تر إلى الطبيعة وهى تبذل قصارى جهدها من أجل الأجيال القادمة، وتدوس على العجائز بمنتهى القسوة! ألم تر إلى الأسد العجوز يتنحى عن قيادة القطيع ليتولى الأسد الشاب قيادته؟

لكن الله يطلب منك غير ذلك. خليفته فى الأرض يجب أن يسمو فوق الغرائز الحيوانية. كى يصبح بحق الإنسان المُكّرم الذى أسجدَ له ملائكته. لذلك تأتى الوصية الربانية: «وَاخْفِضْ لَهُمَا جَنَاحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ».

وقفت طويلا أتأمل هذه الآية غير المسبوقة. أن تكون رحيما بوالديك حتى لتبدو وكأنك ذليل لهما. فتخيل مقدار هذه الرحمة التى تبدو كذل، وما هى بذل. بل هى منتهى الكرامة. وإنك لتقبل يد أمك فلا تزداد فى عين الله إلا عزا. وإنك لتنحنى لتضع لوالدك حذاءه فتصير مُكرما. وإنهما ليسبانك أو يطردانك فتبتسم وتعود لتسترضيهما.

ولكن لماذا؟ لماذا يأمرنا الله تعالى بالرحمة التى تبلغ حد الذل؟ هل يستفيد الله شيئا من برك لوالديك؟ الإجابة معروفة سلفا. نحن لا نبلغ أن ننفع ربنا بالطاعة أو نضره بالمعصية؟ التفسير يلمح به النص الإلهى (كَمَا رَبَّيَانِى صَغِيرًا).

جئنا إلى الدنيا مجرد قطعة من اللحم بلا حيلة. نتبول على أنفسنا. وإذا جعنا صرخنا. فمن جعل قطعة اللحم هذه إنسانا يسعى ويعقل؟ إنهما الوالدان. فهل يجوز لصاحب مروءة- إذا اشتد ساعده- أن يتخيل فى نفسه أنه قد صار ندا لهما؟

وإنها لحقيقة: لا يرى الخالق المحتجب إلا من رأى فضل الوالدين الظاهر! لذلك اقترن التوحيد ببر الوالدين لا ينفصل أحدهما عن الآخر.

------------------------
الخبر : وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق