مفيد فوزي يكتب: محمد عبد الوهاب رفيق رحلة «سيدة الشاشة فاتن حمامة» 45 عاما

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قالت لى فاتن حمامة كلاماً عنه وإن كنت أتحفظ فى نشره وهى على قيد الحياة، قالت لى بخجل العذارى إن الدكتور محمد عبدالوهاب زوجها ورفيق حياتها كان تحية الصباح قبل فنجان الشاى لها: صباح الفل على أحلى خضّير، فتضحك فاتن وتسأله «إيه الخضير ده يا محمد»؟ فيرد الزوج: ده أجمل أنواع البط يا فتونة، يضحكان ثم يفطران، ثم ينصرفان، هو يستقل سيارته إلى مستشفاه وهى يصحبها سائقها إلى الاستديو، سنوات من عمر زواجها يتكرر المشهد ثم يتناولان الغداء معاً على طريقة العجميت «نسبة إلى سكان العجمى أو مريديه» فى الخامسة عصراً وفى الأغلب الأعم لا عشاء والنوم المبكر.

مرة تجرأت وسألت فاتن حمامة عن د. محمد عبدالوهاب، قلت لها «لم يتح لى الحديث معه فهو لا يحضر لقاءاتنا ولكنى أراه بهيبته وأناقته مثل نجوم هوليوود» ضحكت تونة، كما يناديها الأصدقاء الأنتيم، وقالت: بس كله حنية وله ودان بتسمع فى الزمن اللى محدش بيسمع حد! ثم أطرقت لحظة لتقول «محمد جه فى الوقت المناسب»، بادرت بعبارتى التى تأتى على البال: سيناريوهات إلهية، وكان تعليقها: إماءة من رأسها.

أعترف أنى رأيت الأستاذ الدكتور محمد عبدالوهاب، أستاذ الأشعة، مرات قليلة، ربما كنا نتصافح ولكننا لا نتكلم، كان يعطينى إحساساً بأنه عقلانى بشدة ونصيبه قليل من العواطف وربما كانت فاتن حمامة فى حاجة إلى هذه المعادلة، لقد أرهقها زواجها الأول، وزرع زواجها الثانى فى قلبها الشك وفقدان الثقة، وكانت «فتونة» هى اختيار زوجها د. محمد عبدالوهاب البعيد عن الفن وسنينه، كانت فى حاجة إلى «الروقان» الذى حللته لى ذات أمسية بأنها «الاستمتاع بالحياة بأعصاب هادئة وصوت منخفض وتفاهم بأعلى قدر واختلافات قليلة». وأظن أن كلا من د. عبدالوهاب وفاتن حمامة كان يحترم «اهتمامات» الآخر، ولعله كان من البساطة أن يدرك أنها نجمة محط أنظار الناس، وهو محط أنظار المجتمع الطبى.

لم يكن يضايق د. عبدالوهاب أن يسمع بأذنيه «زوج فاتن حمامة» مثلما كانت العبارة تغضب سناء جميل حينما يقول البعض عن لويس جريس الكاتب الصحفى إنه «زوج سناء جميل»، وكانت بالمناسبة تفضل هند رستم أن يقال عنها حرم الدكتور محمد فياض، حين تجمعهما مناسبة اجتماعية، وكان مرح د. محمد فياض يصل إلى أن يقول «أنا الذى أنقذت هند من العنوسة»، فتضج الشلة بالضحك، هناك مجتمع للأطباء وزوجاتهم ولكن فاتن وعبدالوهاب لم ينضما لأى شلة، وكان نفر قليل هم أصدقاء عبدالوهاب وفاتن، ولعل فاتن هى التى اختارت هذا الأسلوب فى الحياة، ولذلك كانت نادرة الظهور الاجتماعى وقليلة الذهاب إلى حفلات التكريم وحفلات وسهرات الفن.

مرة زارتنا فى البيت وكان ضيوفنا عادل إمام وموسى صبرى ومصطفى أمين ونزار قبانى وأنجيل موسى صبرى، وعندما جاء ضيوف آخرون عزمت فاتن على العودة لبيتها فى عمارة ليبون. طلبت منى أن أساعدها فى المغادرة رغم توسلات آمال العمدة «خليكى معانا»، ولكنها أصرت. الزحام يخنقها. كثرة الناس تربكها، وكانت على موعد مع رجل له نفس الصفات هو د.محمد عبدالوهاب «رفقة 45 عاماً».

نتذكر الأحباب...

وسط جو مفعم بالود والوفاء وحوائط بيضاء مرصعة بصورها جرى نهر الحوار بينى وبين رفيق الرحلة د. محمد عبدالوهاب، كنت أظن أننا سنلتقى فى القاهرة الجديدة حيث اختارت فاتن حمامة سكناً، ولكنى فهمت من د. عبدالوهاب أن موعد اللقاء فى شقة فى الزمالك، قام الأولاد والأقارب بإعدادها سكناً له حتى يظل بعيداً عن موطن الذكريات، وإن كانت حاضرة فى رأسه ومازالت خضراء وكثيراً ما تخذله دموعه عندما يتكلم عنها، كان يخيل لى أن د. عبدالوهاب طبيب، والعلم يملأ عقله وقلبه، ولكنى اكتشفت أنه عاطفى تبكيه الذكرى وتزرع فى صدره أشجار الشجن، فهو يجلس على نفس ذات المقعد الذى اعتادت أن تجلس عليه فاتن حمامة ويستريح إذا كانت نظارتها الطبية على ترابيزة بجواره، ويشرب فنجان قهوته الصباحية فى نفس ذات فنجان فاتن الذى يعرفه «وليد» القائم بالخدمة فى البيت، ويكتم دموعه أمام سيد البيت، تكاد تنطق صور فاتن التى رسمتها أكثر من ريشة فنان، ومنهم صلاح طاهر وبيكار وجمال كامل. أتذكر فاتن حمامة بكيكة الأربعاء، حيث كانت تدعو أحمد بهاء الدين وإحسان عبدالقدوس ومصطفى أمين إلى شاى العصارى فى بيتها عندما كانت تقطن فى عمارة ليبون بالزمالك.

أيامها كنت أبدأ رحلتى فى دنيا الصحافة لكنى سمعت عن كيكة فاتن، وكم تمنيت واشتقت، لكنى صعدت السلم حتى اقتربت من سيدة قصر الفن، وهاأنذا أجلس مع رفيق رحلتها نتذكر الأحباب. قلت للدكتور محمد عبدالوهاب إن مثلاً فرنسياً يقول: «يبدأ الحزن كبيراً ويصغر مع الأيام»، وانتفض رفيق رحلة فاتن ورفض المعنى جملة وتفصيلاً، وقال بعفوية «معرفش إمتى يصغر أو بعد قد إيه، لكن أنا عايش مع ذكرى فاتن، صورها حوالىَّ بشوفها وبكلمها».

سألت د. عبدالوهاب عن أحزان فاتن الداخلية ومتى فقدت الضحكة وتقلصت بهجتها، فقال: «كانت تشعر بدرجة عالية من التنغيص والاكتئاب وقت الإخوان».

قلت: كيف استقبلت يناير؟ قال: كانت مبهورة قبل القرصنة اللى حصلت للثورة، مكنتش للثورة قيادة تلم الشمل، فاتن كانت حزينة على البلد وعلى الفن، كنت بحاول أطمنها، لكنها كانت شاعرة بالخوف، هوية البلد تدين البلد، فن البلد، أول مرة أشوف شرود فاتن المتكرر، من ساعتها فهمت أن الحالة النفسية لفاتن تؤثر مباشرة على معدتها.

قلت للدكتور عبدالوهاب: تعال نتذكر الأحباب، متى كان أول لقاء؟ قال: جت العيادة وكان معاها والدة السيدة منى ذوالفقار، وبعدين شفتها فى نوادى أو حفلات أو فى أفراح، كنا بنتكلم ونسأل على بعض ولفت نظرى رقتها المتناهية وسمعتها المحترمة، وهذا القدر اللافت للنظر جمالها الهادى وأنوثتها، وبعدين فاتن رمز من رموز البلد ورمز مهم فى الثقافة المصرية، وأنا كراجل متعلم عندى احترام للابتكار والإبداع، وكنت باشعر إن فاتن بتعمل من أدوارها لوحات فنية بديعة مش ممكن تنساها.

مدى المنطقية..

سألت د. عبدالوهاب: هل كانت فاتن حمامة الزوجة تطلب منك رأياً فى أفلامها؟ قال: فاتن عندها حساسية شديدة لكل شخصية مثلتها، وكانت تسأل المؤلفين الكبار عن الشخصية وتقرأ الرواية باهتمام وتناقش كاتب السيناريو، وقد يتفقان أو يختلفان، لكن وسط كل ده كانت حريصة أن تسألنى عن مدى منطقية الشخصية ومدى منطقية الأحداث. قلت لرفيق رحلة فاتن حمامة: ما صعوبة الحياة بين طبيب كبير وفنانة كبيرة؟ قال: قدرنا نتكيف، كل واحد منا يعرف عادات الآخر وطباعه وحجم الاتفاق أكبر، وعايز أقولك إن اهتمام كل طرف بشغل واهتمامات الآخر مهم جداً فى التقارب، صحيح أنا طبيب لكنى مهتم بأى صور من صور الابتكار، هى أيضاً ملهاش فى الطب، لكن عندها فكرة كاملة بمشاريعى واهتماماتى.

سألت د. عبدالوهاب عن فاتن الإنسانة من قريب.

1- فاتن مترددة يا دكتور؟

- جداً، خصوصاً فى شغلها ودى طبيعة الفنان.

2- صاحبة قرار يا دكتور؟

- تحكم عقلها أكثر من عواطفها، المنطق عندها له الأولوية.

3- درجة أمومتها يا دكتور؟

- أمومتها كاملة على نادية وطارق مهما كان شغلها، لما تسمع إن طارق عنده سخونية، ما تبقاش على بعضها ولو كانت جوه ميت استديو، طبيعتها كده، هى بالضبط نموذج الأم فى إمبراطورية ميم.

4- متفائلة يا دكتور؟

- متفائلة ومقاتلة.

5- حذرة يا دكتور؟

- جزء فى شخصيتها، الحذر.

6- خايفة من إيه يا دكتور؟

- خايفة على أولادها وأحفادها وعيلتها، خايفة على البلد.

7- أى العهود استراحت فيها يا دكتور؟

- عصر السادات، لأنها فى عهد عبدالناصر كانت المخابرات تطاردها، فاضطرت تسافر من مصر، سابت البلد ومشيت.

8- مرنة فى النقاش يا دكتور؟

- مستمعة جيدة والمنطق يحكمها.

9- دقيقة يا دكتور؟

- أقصى مما تتصور.

10- متابعة للموضة يا دكتور؟

- ألوانها المفضلة الأبيض والبيج، ألوان فيها وقار.

11- مطيعة كمريضة يا دكتور؟

- مطيعة جداً وحريصة.

12- درجة العناد عند فاتن يا دكتور؟

- ساعات ساعات، حسب الموضوع وقناعتها الداخلية.

13- عتالة هموم يا دكتور؟

- نعم وبشدة وتتعامل مع الهموم بشكل مرح.

14- نمكية.. يا دكتور؟

- فى الأمور السياسية نمكية ونمطية.

15- قدرية.. يا دكتور؟

- نعم قدرية وتبحث عن التآلف مع برجها الجوزاء.

16- دموعها قريبة يا دكتور؟

- فاتن تحمل أشياء كثيرة متناقضة، فيها الرقة والضعف وفيها الحزم والقوة، ممكن دموعها تبقى نازلة لما تشوف شخص كبير فى السن بيبكى، ووقت الشدة ممكن تبقى زى السيف.

17- خيالية يا دكتور؟

- طبعاً، لأن الخيال أساس شغلها، تصنع شخصيات فنها من هذا الخيال.

18- مجازفة يا دكتور؟

- مغامرة.. بحساب، هى أيضاً متحفظة وأنا مغامر.

قلت للدكتور محمد عبدالوهاب: عم كانت فاتن تبحث؟

قال: عن راحة البال التى لم تحظ بها إلا ومضات.

سألته: مم كانت تشكو صحياً؟

قال: كان ضغطها عاليا نسبياً.

سألته: هل كانت تفصح عما يؤلمها؟

قال: كانت كتومة لغاية ما يصبح الألم واضحاً وتشكو.

قلت للدكتور عبدالوهاب: الناس يظنون أن لا ارتباط بين فاتن حمامة والشأن العام؟

قال: ظن خاطئ، يمكن خدوا الانطباع ده من تصريحها معاك فى حوار أنها تحب أن تتظاهر بعمل فنى يؤثر فى الجماهير ولا تفضل أنها «تمشى فى مظاهرة»، لكن فاتن مرتبطة جداً بأحداث البلد ومتفاعلة معاها، دى حاجة أنا مقدرها فيها جداً وهو إحساسها بالانتماء.

سألته: هل انفصلت فاتن عن الطبقة التى جاءت منها؟

قال: أبداً، فاتن اللى خرجت من المنصورة هى فاتن المحافظة، هى فاتن المصرية اللى قلبها بيتوجع مع سقوط أى شهيد، اسمعها الصبح لما تقوم بدرى قبل أى حد فى البيت وتكلم حد من صاحباتها وهى تعلق على توك شوك سخيف اضطرت أن تتابعه أو شىء مكتوب فى الصحف و«مفوّر» دمها، تحس إنها واحدة من الشعب محروقة على بلدها، مش مهم اسمها سين صاد، مش مهم، وبعدين بتفكر وعايزة تترجم ده فن.

قلت: ظهورها النادر وراء هذا الظن؟

قال: بتحترم نفسها من المهاترات وبعدين، إحنا كنا بنخرج نتغدى بره أو نتعشى فى صحبة عدد محدود جداً من أصحابنا وكانت فاتن تختار الأماكن الهادية جداً وفيها مزيكة حلوة ويا ريت مفيهاش رنات موبايل، وتحب الترابيزة تبقى فى ركن ونادر لما ينفرض عليها التصوير.

قلت: هل كانت طوال الوقت مجاملة؟

قال: أنت وضعت يدك على ما كان يزعجها دائماً، أن تظل طول الوقت مجاملة، كانت تقول لى يا محمد المجاملات دى مرهقة وكانت تقول ونحن وحدنا: مفيش أجمل من حياة لا تضطر فيها للمجاملة، الناس بتزعل من الحقيقة، أحياناً الحقيقة مزعجة ويمكن صادمة، الأفضل إنى مجاملش خالص، والا أنا غلطانة؟

إحساسها بالعمر..

سألت رفيق طريق فاتن حمامة د. محمد عبدالوهاب: متى بدأت «فتونة» تشعر بالتعب والإرهاق؟

قال: إن فاتن إحساسها بالعمر غير قائم، كله يا أستاذ مفيد متوقف على الحالة النفسية، لما تكون سعيدة تتنطط زى بنات العشرينيات، ولما تكون قلقانة وشايلة هموم تشوفها وكأنها عندها ميت سنة.

قلت أصارحه: كانت أحياناً تقول لى فى حواراتنا المنشورة «مفيد أنا تعبت»، قال «دى مصارحة لصديق».

قلت: هل كان لديها الرغبة فى فيلم جديد أو مسلسل جديد؟

قال: فيلم آه، مسلسل.. لأ.

قلت: يعنى مازالت مشتعلة بالفن، حضرتك سمعت طبعاً عن فنان المسرح اللى يتمنى يموت على خشبة المسرح وقلت: نعم، أضاف د. عبدالوهاب: فاتن كان عندها الأمل فى......

واختنق صوت د. محمد عبدالوهاب..

سادت لحظة صمت طويلة.. ثقبتها بسؤال: هل جرى بينك وبينها أى أحاديث عن الموت.

اغرورقت عينا الطبيب الكبير بشىء لعله الدموع وتهيج صوته وهو يقول: «ما سمعته منها يثير الدهشة والقوة»!

للحوار مع رفيق حياة فاتن حمامة بقية...

------------------------
الخبر : مفيد فوزي يكتب: محمد عبد الوهاب رفيق رحلة «سيدة الشاشة فاتن حمامة» 45 عاما .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم - مصر

أخبار ذات صلة

0 تعليق