اخبار الثقافة الان ... «أولاد حارتنا».. و59 عاماً من «عواصف الجدل»

0 تعليق 1 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

اشترك لتصلك أهم الأخبار

59 عامًا ولا تزال «أولاد حارتنا»، الرواية الأكثر إثارة وجدلا فى تاريخ الأدب العربى، تلك الرواية التى كادت تودى بحياة كاتبها، صاحب نوبل، العالمى نجيب محفوظ. فى البداية ثار علماء الأزهر على المؤلف، بعد نشرها مسلسلة بجريدة الأهرام 1959، وطالبوا بوقف نشرها، لاحتوائها على تفسيرات مباشرة لرموز دينية وبما أحدثته من صدمة بموت كبير العائلة «الجبلاوى»، والذى أشار البعض إلى رمزه لله سبحانه وتعالى، أما الشيخ عبدالحميد كشك فقد أصدر كتابه «كلمتنا فى الرد على أولاد حارتنا»، والذى أضفى من خلاله عليها صفات الكفر والإلحاد، وتعرض بعدها محفوظ إلى عدة محاولات للاغتيال، وفى أكتوبر عام 1995 طعنه شاب فى رقبته إلا أنه نجا من هذه المحاولة وتم إعدام الشابين المتورطين بالجريمة.

تعود بداية الحكاية، وحسب محمد شعير، فى كتابه الموثق، «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة»، والصادر مؤخرا عن دار العين للنشر بالقاهرة، إلى رسالة من قارىء مجهول إلى مجلة المصور.. فماذا حدث؟

فى 18 ديسمبر 1959، أرسل القارئ محمد أمين إلى الشاعر صالح جودت، محرر باب «أدب وفن» بمجلة المصور، رسالة، قال فيها.. «إن نجيب محفوظ يحيد ويجانب كل أصول القصة، فكتابته الأخيرة لا هى رمزية ولا هى واقعية، ولا هى خيال، ولا تنطبق على أى قالب معروف».

وأضاف: «جاء محفوظ ليتحدى معتقدات راسخة، ولهذا يتعذر على كائن من كان حتى ولو محفوظ نفسه أن يقدمها بمجرد كتابة قصة. التستر وراء الرموز أضعف قضية نجيب محفوظ فى مجتمع يجل الدين بطبيعته».

ورد جودت على صاحب الرسالة: «لا أستطيع أن أحكم على القصة الأخيرة لمحفوظ، الذى لا شك أنه يعد قصاص الطليعة عندنا اليوم، فإذا كان قد نحا فى قصته الجديدة نحوا جديدًا غير ما تعودناه فى روائعه السابقة، فالحكم فى ذلك لمن قرأوا القصة».

لم يجنح محمد شعير، فى كتابه، إلى سرد الوقائع ونقل الروايات حولها كما حدثت دونما تدخل منه، وقال إن محفوظ أوضح فى حوار مع رجاء النقاش أن الأزمة «بدأت بعد أن نشرت الصفحة الأدبية بجريدة الجمهورية خبرا يلفت النظر إلى أن الرواية المسلسلة التى تنشرها الأهرام فيها تعريض بالأنبياء. وأنه بعد هذا الخبر المثير بدأ البعض، ومن بينهم أدباء للأسف، فى إرسال عرائض وشكاوى يطالبون فيها بوقف نشر الرواية وتقديمها إلى المحاكمة، وبدأ هؤلاء يحرضون الأزهر ضدى على أساس أن الرواية تتضمن كفرًا صريحًا، وأن الشخصيات الموجودة فى الرواية ترمز إلى الأنبياء..».

يعترض شعير على ما قاله محفوظ نفسه، صاحب الرواية الأزمة، فى حوار آخر نشرته «الأهرام» مع عادل حمودة، أنه «لم يكن ليلتفت أحد إلى ما فى الرواية لولا أن انتبه إليها كاتب يسارى فى صحيفة الجمهورية: ربما أحمد عباس صالح أو سعد الدين وهبة، وقال (يا جماعة خدوا بالكم. دى مش رواية عادية. دى رواية عن الأنبياء. ساعتها قامت القيامة».

تعامل شعير باعتباره باحثا ومدققا فى تاريخ الأدب، بعيدا عن قدسية نجيب محفوظ هنا، فيؤكد فى مجمل حديثه «الماتع» أن عريضة الاتهام التى صاغها صاحب «الحارة وأولادها» ليست دقيقة فيما يتعلق بـ«أين، ومن، ومتى بدأ الهجوم؟» قائلا: قد يكون «صالح» أو «وهبة» شاركا فى المعركة، لكن ليس فى الجمهورية وليس فى ذلك الوقت.

يرى مؤلف «..سيرة الرواية المحرمة»، أن الجمهورية لم تهاجم «أولاد حارتنا» - على عكس ما حكى محفوظ – بل إن يوسف السباعى كان من أوائل المدافعين عنه عندما نشر مقالا فى يومياته فى الصحيفة بعنوان «نجيب محفوظ ولوم القراء» فى 28 ديسمبر؛ أى بعد عشرة أيام من هجوم «المصور»، وبعد اكتمال نشر الرواية فى «الأهرام». هاجم السباعى فيه رسالة القارئ المجهول، وصالح جودت باعتباره ناشر الرسالة.

لم يكن فى نية السباعى أن يعلق - كما قال – على رسالة جودت لولا أنه سمع «أن بعض الجهات ترى وقف نشر القصة. فشعر أن المسألة أكثر من مجرد رسالة قارئ وأن تفكيرنا يجب أن يكون أوسع وصدرنا يجب أن يكون أكثر رحابة، فالقصة لم تكتمل بعد، ولم نعرف ما يهدف إليه الكاتب من أحداث القصة وشخصياتها. ونحن بإبداء الآراء الحانقة إنما نتعجل الحكم على شىء لم تكتمل بعد أركانه».

جانب آخر، لا يقل أهمية عما سبق من تفاصيل حكاية «أولاد حارتنا» عبر 59 عامًا من التأثير والتأثر فى أدبنا العربى المعاصر، يعيده «محمد شعير» وهو يحكى تفاصيل ما دار فى مقابلته الكاتب «سليمان فياض»، فى يناير 2015، وقبل رحيل فياض بشهر واحد.

يحكى «فياض» لشعير، كواليس فصله من الجمهورية أواخر 1959، وقت أزمة رواية نجيب محفوظ، وكان مفلسًا فضاقت به الدنيا ثم تذكر عرض الشيخ الغزالى، الذى يمت له بصلة قرابة، فذهب لزيارته، وانتهت الزيارة بأن اقترح الشيخ أن يسعى لتعيين «فياض» سكرتيرا فى مكتب وزير الأوقاف. وفى اجتماع للجنة «الدفاع عن الإسلام» التى كان يترأسها الشيخ سيد سابق، خصصت المناقشة لكيفية «التصدى لرواية أولاد حارتنا»، وكان «فياض» كاتب الجلسة.

يتذكر «فياض»: «عندما بدأ الكلام عن الرواية، هاجم الشيخ الغزالى الرواية هجوما شديدًا وقال إنها (إلحاد وعبث بتاريخ الديانات)»، واحتفظ فياض بنسختين من التقرير النهائى الذى تضمن نقدا حادا لمحفوظ وإدانة له، وفى ندوة محفوظ الأسبوعية أعطاه نسخة من التقرير..

يقول فياض: «عندما قرأ محفوظ الورقة تغير لونه. أصبح أصفر مثل الليمونة».

يسأله محمد شعير: هل تتوقع أن يكون عمل اللجنة بأوامر حكومية؟ فيجيب: «لا أظن، هؤلاء كانوا خلايا نائمة لجماعة الإخوان، كانوا يعملون فى السر على نشر الأخونة بين الأئمة وفى المساجد». ويضيف: «نجيب محفوظ لم يكن ينتقد الدين أو السلطة فقط فى «أولاد حارتنا» وإنما المنظومة الثقافية العربية، كلها، وهو أمر لم يكن مقبولا من الجميع».

وتبقى «أولاد حارتنا» منذ كتبها محفوظ قبل 59 عامًا وحتى الآن، موضع جدل لن يتوقف، ورؤى ستظل تتفق أو تختلف، وفق أهواء وأغراض تخص أصحابها فقط، غير أن ما خطته يد «محمد شعير» فى كتابه، الموسوعى، المعتمد على حرفية ورؤية باحث، قبل أن يكون ناقدًا، «أولاد حارتنا.. سيرة الرواية المحرمة»، إنما هى رؤية للتاريخ، قدمها بكل تفاصيلها، واقفًا على الحياد، لا إلى أولئك ولا إلى هؤلاء ينتمى..

------------------------
الخبر : اخبار الثقافة الان ... «أولاد حارتنا».. و59 عاماً من «عواصف الجدل» .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق