«زي النهارده».. وفاة الروائي والكاتب الصحفي إحسان عبدالقدوس 12 يناير 1990

0 تعليق 0 ارسل لصديق نسخة للطباعة تبليغ

قال عنه الزعيم الوفدي فؤاد سراج الدين «لن تنسى الحياة السياسية المصرية نضال إحسان عبدالقدوس من أجل الديموقراطية والحياة الدستورية والحريات العامة حتى دفع الثمن كما ينبغي أن يدفعه المناضلون الأحرار دون أن يخفت له صوت أو يجف له قلم أو يساوم على مبادئه التي آمن بها إلى آخر يوم من حياته».

«لم يكن حزبيا في يوم من الأيام إلا أنه كان عضوا غير منتسب إلى كل القوى الشريفة التي كانت تناضل من أجل حرية الشعب وإحترام الدستور. وعندما صدرت صحيفة الوفد في عام 1984 كان قلم إحسان عبدالقدوس في طليعة الأقلام الشريفة التي ازدانت بها الصحيفة».

قال عنه نقيب نقباء الصحفيين كامل زهيري: «بدأت مع إحسان عبدالقدوس في روز اليوسف وكان إحسان إسما لامعا بلا جدال، وأهم ما اكتشفته وأحببته أنه يؤمن بالحرية الفكرية والفنية. ولم يفرض رأيا فمدرسة إحسان هي مدرسة الكتابة في الهواء الطلق».

وقال عنه الناقد الدكتور جابر عصفور: «هو الكاتب الذي إمتلك شجاعة إقتحام العوالم الموغلة التي ترسم العلاقات الإجتماعية في الطبقات الوسطى خاصة فيما يتعلق بالمرأة والجنس ومكانته المهمة فيما يتصل بالريادة الخاصة بإقتحام المجالات السياسية الشائكة ولم يكن يكتفي بنقد مثالب الناصرية، ولكن نقد أيضا مثالب الساداتية».

وقال عنه الناقد الكبير رجاء النقاش: «لم يكـــن غريبا أن يكون إحسان محمد عبدالقدوس أحمد رضوان كاتبا فنانا له تأثيره الكبير في عصره وجيله، بل كان الغريب أن يخرج إحسان إلى الحياة بلا موهبة وبلا تأثير. فالوراثة والتربية معا كانا لابد أن يخلقا منه فنانا كبيرا».

هذا هو إحسان عبدالقدوس (يناير 1919- 11 يناير 1990)، صحفي وروائي مصري، وصاحب أكبر عدد من الأعمال التي تم تحويلها إلى أفلام ومسلسلات تليفزيونية، ونجد المزيد من التفاصيل المثيرة في سيرته الذاتية، وإحسان من أصل تركي من جهة أبويه فهو ابن السيدة فاطمة اليوسف التركية الأصول اللبنانية المولد وهي مؤسسة مجلة روز اليوسف ومجلة صباح الخير وابن محمد عبدالقدوس الممثل الر ائد في السينما والمسرح والذي يذكره جمهور السينما بالمشهد الذي غني له فيه عبدالحليم حافظ: «ياسيدي أمرك ..أمرك ياسيدي».

ويعتبر إحسان عبدالقدوس من أوائل الروائيين العرب الذين تناولوا في قصصهم الحب البعيد عن العذرية والقضايا المعنية بحرية المرأة ودواخلها والتي ناقشها بمنتهي تحولت أغلب قصصه إلى افلام سينمائية ومن أشهر رواياته: «في بيتنا رجل، والنظارة السوداء، ولا وقت للحب، وأيام من شبابي»، وله ما يقرب من 59 رواية.

ولد «عبدالقدوس» في أول يناير 1919 قبل أن يسافر والده «محمد عبدالقدوس» إلى إيطاليا عام 1924م لدراسة فن التمثيل أدخل «إحسان» كتابا بالعباسية، وبعد أن عاد أدخله مدرسة السلحدار الإبتدائية في «باب الفتوح» ليكون في رعاية «محمد عبدالوهاب» مدرس الموسيقى وصديق «محمد عبدالقدوس»، وبعدها إلتحق بمدرسة خليل أغا، ثم مدرسة فؤاد الأول حيث حصل على التوجيهية عام 1938م، وكلية الحقوق جامعة فؤاد الأول، وحصل على الليسانس عام 1942م.

وفي نوفمبر عام 1943 عقد قرانه على «لواحظ إلهامي» في منزل «محمد التابعي» وكان يتمرن في مكتب «إدوار قصيري المحامي» ولم تحضر أمه السيدة «روزاليوسف» عقد القران، وإستضاف الوالد العروسين في شقته الصغيرة بعابدين.

وفي عام 1945م كتب مقالا ضد السفير البريطاني بعنوان «هذا الرجل يجب أن يذهب»، وكان «محمود فهمي النقراشي» رئيسا للوزراء فصادر المجلة وقبض على إحسان وأودع سجن الأجانب.

وشهد مكتب وكيل النيابة مناقشة حامية بين الأم «روزاليوسف» والإبن «إحسان عبدالقدوس» كل منهما يريد أن يتحمل مسئولية المقال. وتقول الأم «فاطمة اليوسف» في مذكراتها أنها عينت «إحسان» بعد الإفراج عنه رئيسا لتحرير المجلة، وسمحت له بالتدخين لأول مرة أمامها، ظل إحسان رئيسا للتحرير من 1945-1964م. وكان قد تولى رئاسة مجلس إدارة مؤسسة روزاليوسف عام 1960م عقب تأميم الصحافة.

ثم عين رئيسا لتحرير أخبار اليوم من 1966-1974م، وعين عام 1971 رئيسا أيضا لمجلس إدارة المؤسسة. وإختير كاتبا متفرغا بجريدة الأهرام من 1974-1975م ورئيسا لمجلس إدارة مؤسسة الأهرام من مارس عام 1975 حتى مارس عام 1976م، وبعدها كاتبا متفرغا في الأهرام حتى وفاته لقد وقف «إحسان» إلى جانب الديموقراطية البرلمانية وثار بعنف على ضرب «د. عبدالرازق السنهوري» في مكتبه بمجلس الدولة وذهب لزيارته في بيته.

وكتب 3 مقالات لمجلة روزاليوسف تحت عنوان «الجميعة السرية التي تحكم مصر». وشدوه إلى زنزانة إنفرادية في السجن الحربي من يوم 29 إبريلك عام 1954م حتى 31 يوليو عام 1954م.

وكان قد طالب بضرورة خروج جمال عبدالناصر وزملائه الضباط من الجيش وإعادة الحياة النيابية «كضمان لحياة سياسية مستقرة». وكان يوم دخوله السجن الحربي نهاية لصداقته للضباط الذين إستولوا على السلطة يوم الأربعاء 23 يوليو عام 1952 ونهاية لتأييده لما قاموه به.

وكانت «فاطمة اليوسف» تعتقد أن إبنها «إحسان» (حسن النية أكثر ما يبنغي ولم يدقق في جوهر من وثق بهم دون حذر أو روية)، وأصدرت تعليماتها بعدم ذكر أسماء هؤلاء الضباط على صفحات المجلة مادام إبنها مسجونا.

إحسان عبد القدوس - صورة أرشيفية

ولم ترد كلمة واحدة في المجلة عن «ثورة يوليو» وكأنها لم تحدث أبدا. ولما ذهبت «فاطمة اليوسف» إلى لقاء «عبدالناصر» حين طلبوا منها ذلك وخرج «إحسان» من السجن الحربي صباح يوم 31 يوليو 1954م، وما أن وصل إلى بيته ليجد التليفون يحمل إليه صوت جمال عبدالناصر يضحك ويقول له: «هيه إتربيت ولا لسه يا إحسان طيب تعال إفطر معايا، ما تتأخرش أنا منتظرك».. (هذه العبارة وردت بالحرف في أحد الكتب التي نشرتها في هيئة الكتاب عام 1982، وكنت قد أرسلت له التجارب في مكتبه بجريدة الأهرام وما رضى عنه ووافق عليه قمت بنشره ومرة أخرى في 1954م أخرجوه من بيته عنوة، ورغم نعومة الثعابين التي لقيها من زوار الفجر وجد نفسه في السجن الحربي متهما بالتآمر على الثورة، وأن شريكه في المؤامرة اعترف عليه، ويجب أن يعترف هو الآخر بالمؤامرة، وكانت هذ المرة للإستمرار في الضغط على أعصاب الكاتب الكبير لأنه وهو أثناء جلسة التحقيق دق جرس التليفون، وإذ بصوت جمال عبدالناصر يقول له «أعمل إيه بس يا إحسان.. إعذرني».

وأعادوه إلى بيته وهو يحدث نفسه: «إننا في العام الثاني للثورة.. ماذا يكون عليه الحال بعد عشرة أعوام؟!»، وجرت بعد ذلك 4 محاولات لاغتياله «حسب ما ذكره إحسان بنفسه»، وكان جده «الشيخ أحمد رضوان»، خريج الجامع الأزهريعمل بالمحاكم الشرعية، وتولى تربية «إحسان» وكان «الشيخ أحمد رضوان» يلتقي بزملائه علماء الأزهر في ندوة دينية يعقدها في منزله والشيخ رضوان ريفي المولد والنشأة والسلوك من كفر «عمونة» التابع لقرية شبرا اليمن بمركز زفتى محافظة «الغربية».

وقد ورث «إحسان» عن جده ثلاثة فدادين وقرأ القرآن في بيت جده مرات كثيرة وأخذ من ضيوفه العلماء جرعات دينية. وكان الشيخ رضوان ريفيا محافظا، ولكنه سمح لإحسان بأن يقضي كل يوم جمعة مع والدته الفنانة والكاتبة «روزاليوسف» وإستمر هذا التقليد ساريا حتى بعد أن تزوجت السيدة «فاطمة اليوسف» من الفنان «زكي طليمات» في أواخر 1923، وقد أحاط زكي طليمات «إحسان» بالرعاية والعناية وظل «إحسان» ينادي زكي طليمات بعبارة «بابا زكي» وإذا كان «إحسان» قد تأثر بجده «الشيخ رضوان» فقد وجد الحنان في صدر عمته «نعمات هانم رضوان». أغدقت عليه الحب والحنان.

وفي بيت أمه وجد عطف الأم وتعرف على الفنانين والكتاب وحملة الأقلام. وإذا كان قد وجد الأمومة في بيت أمه وجد الإستقرار في بيت جده وعند عمته. وفي الثامنة عشرة من عمره ترك «حارة نصير» في العباسية غلى بيت أمه في «حارة جلال» بشارع عماد الدين. وبقى «إحسان» محبا لقريته ولأهله من الفلاحين البسطاء، وظل يقضي العطلة الصيفية في تلك القرية منبت جده ووالده «محمد عبدالقدوس». أما والدإحسان الفنان «محمد عبدالقدوس» فكان مهندسا بالطرق والكباري وعاشقا للفن والتمثيل والمسرح.

وسعى والده «الشيخ أحمد رضوان» لنقله إلى الصعيد حتى يبعده عن مناخ الفن في القاهرة. وتم نقل المهندس محمد عبدالقدوس ليعمل ناظرا لمدرسة الأقصر الصناعية، ولكن إستقال وعاد إلى القاهرة حيث النشاط الفني وكان محمد عبدالقدوس بارا بإبنه «إحسان». وذكرنا في الفقرات الأولى أن والدإ أخذ إحسان وعروسه إلى شقته بعابدين.

ويقول إحسان إنه أحب والده حبا بالغا وكان يعشقه لدرجة الإمتنان. وكان يرى أباه كأنه أحد القديدسين أو أحد المتصوفين ولم ينضم إحسان عبدالقدوس إلى أي حزب من الأحزاب أو إلى أية جماعة سياسية من الجمعات. أتاح الفرصة للشيوعين في المجلة، وظن الكثيرون أنه ماركسي ولكنه قال: «انا مسلم فحسب. ولست شيوعيا ولن أكون يوما ما». تعرف على الإخوان المسلمين.. ولكن لم يجد من يقتنع به سوى «الشيخ حسن البنا». وظنوا أنه ينتمي إلى «الحزب الوطني – مصطفى كامل»، ولكنه وصف «أنه جامد غير متحرك إلى حد البرود السياسي».

واقترب من الأستاذ أحمد حسين زعيم «مصر الفتاة» وانتهى إلى أن مصر الفتاة «لسيت سوى الطبيعة المصرية من الحزب النازي في ألمانيا الهتلرية»، وكان يحضر الندوة التي يعقدها «الأستاذ أبوالفتح» في جريدة المصري والتقى الدكتور محمد مندور والدكتور عزيز فهمي وأعجب الفرسان الثلاثة ولكن بقى قلمه فارسا حرا يؤيد مرة ويختلف مرات إلى أن اجتمع بالبرلمان في جلسة تاريخية في 8 أكتوبر 1951 ليستمع إلى صوت «مصطفى النحاس» وهو يعلن بقوة: «من أجل مصروقعت معاهدة 1936 ومن أجل مصر أطالبكم اليوم بإلغائها».

إحسان عبد القدوس - صورة أرشيفية

وفي العدد التالي من مجلة «روزاليوسف» كانت الإفتتاحية بقلم «إحسان عبدالقدوس» يقول فيها: «المراسيم بمشروعات القوانين الخاصة بإلغاء معاهدة 1936م وإتفاقتي سنة 189م إنما هي تعبير صادق عن الثورة التي أفرغنا العمر في المناداة بها.. والحكومة التي تضع هذه المراسيم موضع التنفيذ العملي هي حكومة الثورة ونحن جميعامعها نهتف في هتافها بسقوط الإستعمار الإنجليزي.. نحن جميعا معا يد واحدة في التضحية والجهاد»وفي موضوع الأسلحة الفاسدة كان لإحسان كصفي قلم مختلف ورأي آخرفهوالذي بدأ إثارة الموضوع في «روزاليوسف» في يوليو 1949 وقدم له «الضباط الأحرار» عددا من الوثائق تشير إلى بعض الأمراء وبعض كبار الضباط وزوجة أحد كبار الضباط، وبعض رجال أعمال كلهم متورطون في صفقات مشبوهة للأسلحة، وهذا لكنه يمكن إدراكه سياسيا.

ويجدد «إحسان» الحملة في يونيو عام 1950 في ظل مناخ الحريات الذي أطلقته حكومة الوفد برئاسة «مصطفى النحاس»وفي مذكرات حسن يوسف رجل الملك ص 289-290(إتصل بي مصطفى نصرت وزير الحربية والبحرية، وقال: إنه سوف يبلغ النائب العام وإستعدت النيابة الأستاذ إحسان عبدالقدوس لسماع أقواله فيما نشرته المجلة وبعد ثلاثة أشهر من بدء التحقيق زارني في مكتبي عبدالفتاح الطويل وزير العدل وفؤاد سراج الدين وزير الداخليةوقالا إن النائب العام يطل بالتصريح بتفتيش منزل خمسة أشخاص من موظفي الحاشية الملكية ومراقبة تليفوناتهم).

المهم أن حكومة الوفد سمحت بتشر المقالات في هذا الموضوع وأبعدت القائد العام للقوات السملحة عن منصبه «حيدر باشا» وأقالت رئيس هيئة أركان الحرب من منصبه وأحالت 12 ضابطا كبيرا للمعاش. وسهلت مهمة التائب العام إلى أقصى الحدود وإنتهى التحقيق التذي تم في مناخ الحريات والنزاهة والحيدة التي وفرتها حكومة الوفدوفي 28 أغسطس عام 1951 صدر قرار بحفظ التحقيق.

وبعد أن وصل «الضباط الأحرار» للسلطة في 23 يوليو 1952 وأعادت التحقيق في موضوع الأسلحة الفاسدة وانتهى التحقيق إلى الحفظ مرة أخرى ومثلما ولد إحسان في يناير فقد رحل عن عالمنا في يناير أيضا تحديدا «زي النهاردة» في 12 يناير 1990.

ويقول الروائي حمدي البطران، إن روايات إحسان عبدالقدوس، وقت ظهورها في الخمسينات، كانت تعتبر نوعا جديدا من الأدب الواقعي الذي يتصدي للحياة الاجتماعية للطبقة الراقية المصرية التي لم يكن يكتب عنها أحد وجاء إحسان ليكتب عن تلك الطبقة بأسلوب صحفي له خصائص الكتابة الصحفية وخالي من التعقيدات اللغوية التي كانت سائدة في كتابات معاصريه وقام بنشر رواياته في مجلة روز اليوسف التي كانت في الوقت تتصدر المجلات السياسية والاجتماعية .وكانت منتشرة بين قطاعات عريضة من الشعب .مما أعطي لأدب إحسان نوع من الإنتشار لم يتوافر لكاتب من جيله، وهو الأمر الذي دفع النقاد لتجاهل مايكتيه ثمة أمرآخر ساعد على انتشار أدب إحسان هوعنايته بصفة خاصة بالعلاقات الغرامية .وتصويرها بصورة بعيدةعن الصورة النمطية التي كان ينظرإليه االمجتمع كنظرة عيب أوخطأ، فدافع إحسان عن الجب والعلاقات الغرامية وأبرز لأول مرة دور الثلاثي العاطفي وهو الزوج والزوجة والعشيق .وصورة بطريقة واقعية أما حفاوة السينما بأدب إحسان فكان مردها تصويره للحياة الإجتماعية بصورة واقعية وحقيقية وعنايته بالطبقة الراقية وأخطائها في الوقت الذي كانت ثورة يوليو تركز على أخطاء تلك الطبقة وتصفها بالرجعبة وجاءت السينما لتؤكد الغرض السياسي للثورة وتروج لأفكارها.

اشترك الآن لتصلك أهم الأخبار لحظة بلحظة

------------------------
الخبر : «زي النهارده».. وفاة الروائي والكاتب الصحفي إحسان عبدالقدوس 12 يناير 1990 .. تخلي صحيفة الاجيال الحرة مسئوليتها الكاملة عن محتوي هذا الخبر وانما تقع المسئولية علي الناشر الاصلي للخبر و المصدر هنا : المصرى اليوم

أخبار ذات صلة

0 تعليق